• الرئيسة
  • المحطات الأساسية
  • الحفل الافتتاحي للمؤتمر




الكلمة الافتتاحية لمؤتمر استنبول


../imagesDB/200_large.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على النبي سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

بسم الله وعلى بركة الله نفتتح هذا المؤتمر العلمي الأكاديمي في موضوع مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ العلامة المُربي الداعية، المفكر والمُنظر عبد السلام ياسين.

أرحب بكم جميعا أيها الإخوة، أيتها الأخوات ضيوفا ومشاركين ومحاضرين مع حفظ الألقاب والمقامات، وكلكم مقامات، وأشكر كل من أسهم من قريب أو من بعيد في إعداد وانعقاد هذا المؤتمر، وإنجاز مختلف مواده.

أتوجه بالشكر إلى أطر وكفاءات المراكز الدراسية الثلاث ومَن تعاون معهم في لجان ومجموعات عمل مختلفة، الذين بذلوا مجهودات طيبة وجبارة، واسمحوا لي أن أخص بالذكر من بين المراكز المنظمة مركز وقف للدراسات الإسلامية باستنبول (إيساف) الذي وجدنا في العمل المشترك مع أطره كل الترحيب وكل الأخوة وكل التعاون وكل سعة الصدر ونكران الذات.

كما أشكر السادة الأساتذة الباحثين الذين تفاعلوا مع فكرة وموضوع المؤتمر وبادروا إلى اقتراح أوراق مهمة لم يسمح حين المؤتمر إدراجها كلها.

أيها السادة أيتها السيدات، لماذا موضوع القرآن الكريم في "نظرية المنهاج النبوي"؟ وعند الأستاذ عبد السلام ياسين؟

إننا نهدف إلى تقديم الأستاذ عبد السلام ياسين في شمولية وتكاملية شخصيته ومنهاجه النظري والعملي باعتباره مربيا وداعية وجاهرا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ومنظرا ومفكرا ومبدعا. ربط كل اجتهاداته بالقرآن الكريم باعتباره كتابا جامعا لكل خيري الدنيا والآخرة، مسترشدا بآياته من مثل قوله تعالى:

"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" (الشورى:52)

وقوله تعالى:

"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" (آل عمران: 18)

هذه "الروح القرآنية" وهذا "النور القرآني" الذي يهدي به الله من يشاء من عباده، ويهدي به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صراط مستقيم..هو ما جعل فضيلة الأستاذ العلامة يعطي في منهاجه الاسبقية للتربية قبل كل شيء، فهو يدعو إلى تربية "شاملة عميقة قلبية نفسية ربانية قبل كل شي، ثم فكرية عضلية حركية تنظيمية بعد" (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:11)

ويبرز مفهوم الإحسان القرآني النبوي، القرآني كما في قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل:90) والنبوي كما في الحديث المشهور "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، ويربطه بالتزكية السُّنية، فيقول:

"الإحسان سماع وقبول وتربية" (الإحسان 1/81)، "والتربية سماع وتشبه وتمثل وتشرب"(الإحسان 1/80) ويحصنه (أي الإحسان) بالعلم فيقول: "وهل بعد العلم يرويه العلماء عن العلماء بما قال الله وقال رسول الله من مطلب؟" (الإحسان 1/8)

ويميز التربية الإحسانية عن غيرها فيقول: "لستُ أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاسم ولا الشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله" (الإحسان 23و94)

ويفرق بين الإحسان القرآني النبوي وبين إسلام الزهادة أو الانسحاب من المجتمع فيقول:

"توج الإحسانُ العدلَ وتخلله وسكن بين ضلوعه" (تنوير المومنات 1/168)

ويدعو إلى "حياة نابضة بالأخوة والقوة" (القرآن والنبوة ص:31)

ويقول أيضا: "الغاية طاعة الله عز وجل في أمره كله، خاصة في إقامة العدل بين الناس" (العدل 649)

هذا الفهم –معشر الحضور الكرام- هو الذي جعل الأستاذ عبد السلام ياسين يقرن الفكر بمنطلقه الإيماني منطلقا من قوله تعالى:

"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (محمد:25)

فيقول:

"تنطلق خطانا المنهاجية من قواعد الشرعة يستنير القلب بنورها، والعقل بعلمها والنظر بمفاهيمها، والإرادة بحافزها وداعيها وندائها، لنقتحم العقبة إلى الله عز وجل" (محنة العقل المسلم ص:24)

كما يقول في نفس الكتاب:

"العقل تلقٍّ لحقائق الوحي بواسطة القلب"( محنة العقل المسلم، ص: 7)

ولم يكتف الأستاذ ياسين بالكتابة عن التربية بل ذاقها وعاشها تلميذا متلقيا وآخذا عن أحد أعلام سلسلة التربية الإحسانية في هذه الأمة (المربي الحاج العباس رحمه الله)، ثم عاشها ولا يزال تاليا لكتاب الله تعالى وذاكرا لله تعالى وقانتا لله تعالى وقائما لله تعالى صواما، في إقبال صُعُدٍ على الله تعالى منذ عرفه من صحبه، منذ عشرات السنين إلى الآن. وليس من سمع كمن صحب !

ولا نزكي على الله أحدا...

ومربيا للأجيال من المومنين والمومنات يمثلون بإذن الله تعالى ثمار سنوات من جهاد التربية والدعوة والبناء...

وإن انطلاقه من مثل قوله تعالى:

"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا" (الأحزاب:39)

هو الذي جعله يصدع بكلمة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، عندما نصح الحاكم في بداية سبعينات القرن 20 وثمانينياتها، وفي بداية القرن الواحد والعشرين...

حيث قال في رسالة الإسلام أو الطوفان للملك الحسن:

" ولست والله أخافك وإني أشتهي الشهادة في سبيل الله" (الإسلام أو الطوفان ص:37)

وقال أيضا: "وإنك يا هذا أكلتَ وحاشيتك وأقاربك أموال المسلمين بغير حق. وهتكت حرمات الله، وغششتنا بدعواك. وتألهتَ واستعبدت الناس. فبأي صحيفة تلقى ربك يوم الحساب؟ ويحك وبأي صحيفة تلقاه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" (ص49)

لقد كانت ضريبة هذه الكلمة الشرعية الحقة والحرة أكثر من ست عشرة سنة من السجن والحصار، وسنوات من التضييق والابتلاء، وما ضعُف الرجل ولا استكان، ولا تراجع ولا تخاذل، بل ما زادته السنون إلا جهرا بالحق وإصرارا على إظهاره ناصعا ناصحا قويا...

وإن اهتمامه وتهممه بالدعوة، وانطلاقه من مثل قوله تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين" (يوسف: 108)، هو الذي جعله يحرص على تأسيس وتطوير خط دعوي يجمع الحكمة العقلية إلى الرحمة القلبية بقوة في غير عنف، وبرفق في غير ضعف، "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" الوسطية التي تعني الأصوب والأفضل والأرحم والأقوى. فهو يقول: "الإنسانية تنتظر دين الله الحق يبلغها خيره وسط ضوضاء العالم وجنونه"( العدل: 68)

وليست الوسطية التي تعني قسمة الكل على مجموع عدد الأجزاء، وهو الأمر الذي جعله يؤكد على ضرورة إسماع رسالة الهداية ذات البعد المطلق، "رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته" (الإسلام والحداثة، ص:6)

إن عمق النظر هذا هو الذي جعل الأستاذ عبد السلام ياسين يلتفت لنصف المجتمع، المرأة المسلمة والمرأة الإنسان فيتحدث عنها في مختلف مكتوباته، ثم يفرد لها كتابا خاصا في جزأين (تنوير المومنات)

ويقول عنها: "ما وظيفتها في الحياة بصفتها مسلمة تنتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟ إسعاد أهلها ودويها من فرائض فطرتها وأمومتها، لكن ماذا تقدم من خدمة لأمتها؟ (...) أين هي من مجالس العلم ومدارس التفقه في الدين؟ أين هي من المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية وفي الجهاد وفي الاقتصاد كما كانت الصحابيات يشاركن؟" (تنوير المومنات:...)

معشر الحضور المحترمين:

إن الانطلاق من قوله تعالى:

"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" ( المائدة48)

هي التي جعلت الأستاذ عبد السلام ياسين يستلهم مفهوم "المنهاج النبوي" مخططا معاصرا "لهندسة التربية والتنظيم والزحف، فهما يؤم العمل، وعلما من العلم، وفكرا من الفكر واجتهادا من الاجتهاد"

وعلى هذا الأساس تكون "نظرية المنهاج النبوي" اجتهادا معاصرا عميقا في التربية والدعوة والعلم والمعرفة والنهوض والبناء، منطلقا من القرآن والسنة أساسا ضمن بناء متكامل له خطته ومبادؤه وغاياته...

أسه التربيةّ، وهدفه تغيير ما بالنفس نحو الجهاد والإحسان، وما بالأمة نحو الأخوة والعدل والحرية والشورى والأخلاق الحسنة، وامتلاك ناصية التقدم في كل المجالات...وتغيير ما بالفهم نحو تعميق الإيمان والتجديد والتعبئة والفعالية..

المنهاج كما يقول عنه الأستاذ: "مسلك يعبر الدنيا بما فيها من قوى واصطدام واضطراب ونشاط ولا يتجنبها" (القرآن والنبوة ص:12)

ويقول أيضا: ""المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء"(نظرات في الفقه والتاريخ، ص:12)

إننا ونحن نتحدث عن مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، قد يتبادر تساؤل عن علاقة الموضوع بسياق الأحداث، أحداث الربيع العربي الذي تعيشه الأمة حاليا، فنجيب سريعا، إننا في صميم الحدث، لأن الرجل المنطلق من القرآن الكريم، من قوله تعالى:

"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" (الأعراف 96)

هو الذي أعلن وكتب أن الأمة في حاجة إلى "قومة شاملة ضد كل شرك وطغيان، كلمتها الجامعة، لا إله إلا الله، هي رفض للجاهلية والاستكبار" (القرآن والنبوة، ص:47)

ولا إله إلا الله نعلمها ونتعلمها من القرآن الكريم، قال الله تعالى:

"فاعلم أنه لا إله إلا الله" (محمد: 20)

وهل عانت وتعاني الأمة الآن إلا بما فرطت في كتاب ربها واتخاذه سبيلا ونبراسا ونورا وصراطا مستقيما؟

إننا أيها الكرام أيتها الكريمات في هذا المؤتمر الذي يتطلع إلى أن يكون الأول في عِقدِ مؤتمرات في "نظرية المنهاج النبوي"، لنرجو أن نوفق في أن نقف على أساسيات مركزية القرآن الكريم في هذه النظرية.

أجدد الشكر والتحية لكم جميعا وألتمس من حضراتكم بذل أقصى الجهود في هذين اليومين من أجل الإسهام في إنجاح المؤتمر بالالتزام الدقيق بمواعيد الجلسات وبمنهجيات تسييرها وإنجازها.

والسلام عليكم. وأفتح المجال...

والحمد لله رب العالمين.