ملخص البحث: القرآن الكريم مصدر المعرفة عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور حامد أشرف همداني

جامعة بنجاب - باكستان

المقدمة

إن فكر الأستاذ عبدالسلام ياسين يتلخص في نظرية المنهاج النبوي بدعوته إلى إقامة دولة القرآن وإعادة الخلافة على منهاج النبوة.

المبحث الأول: موقف الأستاذ عبدالسلام ياسين من اعتبار القرآن الكريم مصدراً للمعرفة

لقد قرر عبدالسلام ياسين منذ البداية أن يتخذ من القرآن سلاحًا للتحدي الحضاري والمعرفي وأعلن ذلك صريحًا في قوله: ‘‘وليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض عندما تقارن المقومات والوسائل إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم. قرآننا زادنا وسلاحنا’’[18].

المبحث الثاني: أهم ملامح ومظاهر موقف الأستاذ ياسين من اعتبار القرآن الكريم مصدراً للمعرفة

المطلب الأول: اهتمام عبدالسلام ياسين بقضية الإعجاز القرآني : شغلت قضية بيان إعجاز القرآن الكريم بوجوهه المختلفة عبدالسلام ياسين مبكرًا واعتبرها من القضايا الرئيسية لمشروعه الفكري والحضاري، إلا أن نظرة عبد السلام ياسين للإعجاز القرآني مختلفة، لا يقف عند الإعجاز اللغوي، بل يتعداه إلى إبراز الإعجاز الكامن في المعاني، واستخراج المقاصد المتوخاة منه والكامنة فيه. ويصرح بذلك في قوله: ‘‘في طريقنا إلى دولة القرآن، وفي خطوات دولة القرآن نحو مجد الإسلام، لا دليل لنا في المهمات، وفي تحديد الأهداف والغاية، إلا كتاب الله عز وجل كما طبقته سنة رسوله عليه من الله الصلاة والسلام’’[19].

المطلب الثاني: الإعجاز الحضاري في القرآن : لقد آمن عبدالسلام ياسين برسالة القرآن الحضارية المعجزة لكل البشر في القديم والحديث موضحًا أن المعرفة الإيمانية من القرآن الكريم معجزة متجددة؛ لأنه الخطاب الأزلى إلى جميع طبقات البشر. ويصرح بذلك في قوله: ‘‘إن أصلنا كتاب الله، وإن عمارة الأرض واجب فرضه الله على الأمة المستخلفة في الأرض. فالباعث الإسلامي على النشاط الاقتصادي باعث ديني، من صميم الدين. والقوانين التي توجه هذا النشاط شرع منـزل. ’’ [20]

المطلب الثالث: الإعجاز المعرفي في القرآن الكريم: يوضح عبدالسلام ياسين في كتبه أن القرآن الكريم قد فاق مناهج الصوفية والمتكلمين والفلاسفة في الوصول إلى معرفة الله تعالى. فنراه يقول: ‘‘لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان’’.[21]

المطلب الرابع: القرآن الكريم المصدر الأساس للعلم والمعرفة : لم يكن للأستاذ ياسين مصدر يعتمد عليه، ولا مرجع يستند إليه، ولا أستاذ يتلقى منه إلا القرآن الكريم، في كل ما يعرض له.

‘‘فتوبتُنا إلى الرحمن، وتسميتنا لدولة القرآن، لا يصحان لنا إلا بهدي القرآن، علوم القرآن. منه ننطلق، وإليه ننتهي’’.[22]

المطلب الخامس: الحصيلة القرآنية الواعية : لقد دخل الأستاذ ياسين في الصراع الحضاري والثقافي مع المدنية الغربية بحصيلة قرآنية واعية، فجعل القرآن يدافع عن نفسه. وكان كلامه دعوة صريحة لاستدعاء القرآن الكريم إلى عالم الواقع الحياتي والمعرفي، ليكون المرجعية العظمى للأمة في تصحيح عقيدتها وثقافتها، وإقامة حضارتها ومدنيتها.

‘‘ودواء دائنا في القرآن ودولة القرآن. ودولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماماً، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى’’.[23]

المطلب السادس: قراءته الشمولية البنيوية الفاعلة للقرآن : فهو يهتدي بهدي القرآن، ويستلهمه من وحيه، وقد أدت به هذه القراءة إلى إحسان النظر في الوجود والمعارف، والكون والمخلوقات، ووصل إلى النتيجة التي يصلها من يقرأ القرآن بعمق، وهي توأمية القرآن والكون.

‘‘فالعلم علمان: علم بالله، وبغيب الله، وبرسل الله، وبكتب الله، وملائكة الله، وقدر الله، ومصير الإنسان في الدار الآخرة إلى الله. وعلم آخر عن كون الله، وخلق الله... علم بالله وبغيب الله مصدره الوحي لا مصدر له غيرُه. وآلة تلقيه القلب المومن ينير العقل الراجع من تأملاته كليلاً يتتلمذ على الوحي. وعلم بكون الله آلته العقل المُشاع بين بني الإنسان مؤمنهم وكافرهم’’.[24]

المطلب السابع: القراءة المستقلة للقرآن : نراه يجعل الأصل القرآني مبدأً لفكره ومنهاجه ‘‘أصل قرآني جعلناه مبدأ موجهاً هو"اقتحام العقبة" في قوله تعالى:﴿فلا اقْتَحمَ العَقَبة‍﴾(البلد:11).[25]

ونراه يؤكد بوضوح أن القرآن صالح لكل زمان ومكان فهو كتاب حي يضمن الحيوية لأمته فيقول: ‘‘والقرآن لا يزال هو كلمة الله الأخيرة الكاملة للجان والإنسان. تتضمن خير الإنسان والجان دنيا وأخرى. لا تحتاج لزيادة ولا تعديل. وقومة الإسلام لا يمكن أن تنطبق عليها هذه الصفة إن استعارت من خارج القرآن ورسول القرآن مبادئ وأهدافاً.[26]

المطلب الثامن: المعرفة الكبرى “نظرية المعرفة الياسينية” : إن المعرفة الكبرى عند عبدالسلام ياسين هي معرفة الله سبحانه، وهي المعرفة التي توصل إلى الإيمان واليقين والإطمئنان. لذلك يرى الشيخ أن اهتمام القرآن بالكون هو اهتمام نمائي وظيفي، يهتم بالأمور للوصول إلى غايتها لا إلى أوصافها وهيئاتها وخصائصها. وهناك يفترق علم الكون الإيماني، مع علم الكون المنقطع عن الإيمان سواء أكان علماً طبيعياً أم احتمالياً أو فلسفياً.[27]

المطلب التاسع: البنية المعرفية : إذن الغاية الكبرى للمعرفة هي معرفة الله “المعرفة الإيمانية”.فالمعرفة الإيمانية هي التي تصلنا بالله ورسوله. وقد صرح بذلك في كتاباته المختلفة منها قوله:

‘‘أما نحن فالذي يصلنا بالله ورسوله إيمان بالله ورسوله وكتابه. إيمان سماوي تحتقبه القلوب’’.[28]

ويؤكد الأستاذ ياسين أنه لايمكن للأمة المسلمة أن تستعيد شرفها وعزها إلا بالعودة الكريمة إلى القرآن الكريم والمنهاج النبوي.[29]

المطلب العاشر: الاعتماد على مصطلحات ومفاهيم قرآنية : نرى الأستاذ ياسين يتخذ القرآن رائد فكره في اتخاذ المصطلحات والمفاهيم بدلاً من مصطلحات رائجة فيستخدم مصطلح عمران بدلاً من الحضارة[30] ومصطلح القومة[31] بدلاً من الثورة ونراه يفضل كلمة منهاج القرآنية[32] على كلمة المنهجية. ويرى الأستاذ أن من آكد ما يجب على المفكر المسلم أن يتميز بألفاظه في هذا المجال الفكري المشرك.[33]

المطلب الحادي عشر: شرح المفاهيم والتعابير شرحاً قرآنياً : كما أن الأستاذ ياسين اعتمد في كتابه على مصطلحات قرآنية فإنه يؤكد على شرح المفاهيم والتعابير الرائجة شرحاً قرآنياً، فنراه يردنا لفهم الاقتصاد[34] والعدل[35] والقسط[36] والشورى[37] والجاهلية والفطرة[38]والاستخلاف والتخلف[39] والرجز[40] إلى القرآن الكريم ويبسط القول في شرح هذه الكلمات في ضوء القرآن الكريم ويستشهد بآيات وردت تحدد مفاهيم مستقيمة لها.

المطلب الثاني عشر: كثرة الاقتباسات القرآنية : لايخفى على من ينظر في كتابات الأستاذ ياسين ورسائله أنه أكثر الاقتباس من القرآن الكريم، فلاتكاد تجد صفحة من صفحات كتبه تخلو من اقتباس قرآني.

نذكر على سبيل المثال الأبيات التالية :

وَا أَسَفِي عَلَى زَمَـانٍ مَضَـى يَا حَسْرَتا فَرَّطْتُ [41]! وَالْعُمْرُ طَارْ[42]

وَتَكـُونُ شُـورَى بَيْنَـهُمْ[43] فَالْحُــكْمُ لِلَّهِ الْعَــلــِيْ[44]،[45]

ويمكن أن نصل إلى النتيجة بأن الأستاذ عبدالسلام ياسين رجل قرآني أسس فكره ومصدر استمداد نظرية المنهاج النبوي الأساس، هو القرآن الكريم الذي تبوأ المنـزلة العليا في صياغة هذه النظرية مبنى ومعنى، تأصيلاً وتنـزيلاً.