في زمن التخلف الحضاري العام الذي يحياه المسلمون، وفي زمن التدفق العلومي الممتد في الآفاق أرضا وسماء، يحار المؤمن فيما يدع أو يأتي، يحار في اندراس معنى العلم الحق قرين الخشية ورديف الحكمة، خاصة مع تشظي العقل المسلم، وتشتت العلوم الإسلامية، وتمزق الشخصية الإسلامية الوارثة، وما نجم عن ذلك من خلل معرفي وسلوكي، ثم يحار المؤمن أكثر أمام هذا الفتح العلمي الكوني الذي فتح به المولى عز وجل على الناس ابتلاء وتمحيصا، خاصة أمام تعدد العلوم وكثرتها واختلافها وتنوعها وتطورها وتحولها، وما ينجم عن ذلك كله من اللهاث الحامي لطمس الفطرة الإنسانية، وتغييب معنى الوجود الإنساني، و الصمت الرهيب عن قضايا الموت وما بعد الموت من آخرة وحساب وجزاء تلكم الحقائق التي تزعج "العقل العلمي المعيشي" وترعبه فينساها أو يتناساها. وهو ما يفترض معه تجديد فهمنا لمعنى العلم الذي نحتاجه من خلال الكشف عن المعنى القرآني النبوي للعلم الموصل للوراثة الكاملة، المثمر للخشية ،المنشئ للعمل المقبول عند الله. ولعل هذا ما نهضت به نظرية المنهاج النبوي التي أثل لها المشروع الاجتهادي للأستاذ عبد السلام ياسين .
إننا نسمي "نظرية المنهاج النبوي": هذا العلم العملي التجديدي الاجتهادي الذي يترجم عنه هذا البناء النظري العام الذي أسسه الأستاذ عبد السلام ياسين سواء في تصوراته التربويــة والفكــرية، أو مخطــطاتــه التنظيميــة، أو ممارساته الحركية الزحفية، والتي تستند في بلورة معانيها ورسم معالمها على الفهم عن الله في آيات كتابه والفهم عنه في آيات كونه من خلال الترجمة العملية الواضحة لكتاب الله المسطور والمنظور في برنامج عيني يطلب العدل هدفا والإحسان غاية ومقصدا.
في نظرية المنهاج النبوي يأخذ العلم دلالات متكاملة متناسقة نعرضها كالآتي:
علم وعلوم: 1. العلم بالله:فالعلم الحق الذي لا مرية فيه العلم بالله عز وجل "فاعلم أنه لا إله إلا الله "العلم بوجوده و بوحدانيته وعزته وقوته وتصرفه في الخلق، فهذا هو العلم الجدير بحمل صفة العلم بصيغة المفرد ، بينما تبقى ما أنتجته العقول البشرية "علوما" بصيغة الجمع. وجلي الفرق بين العلم بالله العلم الحق، وبين علوم الحكمة البشرية.
2 العلم نور وخشية:ليس العلم الحق بكثرة الرواية، ولا تكديس النقول، ولا حفظ المتون، ولا ترداد النصوص. إنما العلم الحق خشية الله عز وجل: إنما يخشى الله من عباده العلماء ، والعلماء الحقيقيون هم الذين يخشون المولى جل وعلا. وعليه يكون العلم بهذا المعنى نورا يقذفه ربنا الكريم في قلوب عباده الذين يخشونه ويتقونه، يكون العلم عطاءً لدُنيا أزليا فيه من روح الله وريحانه ما يقرب من الله ويرفع الدرجات ويدني من حضرة القرب.
3علم جامع منجمع:. علم ما يجري في القلوب:إن موطن الصلاح والإصلاح في الجسد المضغة المسماة القلب، وعليه لكي تستقيم الأفهام وتتحد السلوكات وتنجمع الشخصية المسلمة لا بد من علم يهتم بما يجري في القلوب، فعلى هذا المستوى تتحدد المعركة الوجودية للإنسان ويتحدد مصيرها.وإن مجال التغيير الحقيقي هو الإنسان في خصيصة قلبه وسويداء فؤاده، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله لا يغير ما بأنفسهم حتى تتغير ما بقلوبهم.
4 العلم الجامع:في حاجة نحن إلى علم يؤسس للتكامل والتوافق بين نور القلب وحكمة العقل وحركة الإرادة، فتنجمع الذات وتستكمل قواها نحو المقصود الأعظم دون شعور بالتشتت والتمزق بين الجانب العقلي المفكر وبين الجانب القلبي الإيماني وبين المستوى الحركي الجسدي، فتتحقق لنا الشخصية الكاملة الوارثة التي لا تجد الحرج في الجمع بين رهبانية الليل وسبح النهار.إنه علم يبني لفقه جامع يتجاوز التجزيء والتشظي وكافة مخلفات التفرقة القرونية الناجمة عن تفرق السلطان والقرآن.
5 علم الاجتهاد الجماعي:هو علم اجتهاد لابد له من جماعة تتجاوز طوق التقليد المفكر بذهنية من يفكر لزمانه بغير زمانه،أو بذهنية نحلة الغالب المغلوب المفكر بشروط الفتنة الجاثمة على القلوب والعقول والسلوك،علم لا يرضى بغير الجلوس عند عتبة المنبع الثري الوحي: القرآن والسنة،
6-علم المنهاج النبوي: علم تجديد:علم المنهاج النبوي هو علم تجديد الدين بتجديد الإيمان في القلوب وتنوير الفهم في العقول وبعث الإرادة في السلوك. و علم كيفيات التغيير:فعلم المنهاج النبوي علم بكيفيات اكتشاف الوصفة الربانية النبوية التي استطاع بها الرسول الكريم تغيير أمة جاهلية لتصبح خير أمة أخرجت للناس، علم اكتشاف المنهاج النبوي الذي ربط بين الحق الذي في كتاب الله وسنة رسوله وبين عالم الناس بتقلباته وتحولاته. ثم هو علم كيفيات التنزيل:علم المنهاج النبوي علم بكيفيات تربية جند الله ليترقى في مدارج الإيمان من دون دروشة منزوية ولا حركية جوفاء ولا فكر مجادل عقيم، وبكيفيات تنظيم الصف وترتيب أولوياته، وبكيفيات زحف الجماعة المجاهدة في سعيها لتحكيم شرع الله ليعبد الله.
العلم بهذا الفهم علم منشئ للعمل، علم خطوة لا علم خطبة، علم يبرز من قلب خاشع ذاكر خاضع لجلال المولى العظيم مدرك لرسالته الوجودية الفردية والجماعية.
إن المنهاج النبوي علم مؤسس «لمنهاج عمل ينطلق بنا مما نحن عليه من علل، ويجمع من أطراف الحكمة لوصف الكيف : كيف كان النموذج النبوي في التربية والجهاد والحكم فذّاً وبم كان ؟ كيف تحول المجتمع الجاهلي مجتمعا إسلاميا ؟ كيف تطور التاريخ بالأمة على عهد الخلفاء الراشدين انحدارا إلى زوابع الفتنة، ثم بعد ذلك إلى الملك العاض فالجبري؟ ثم كيف العمل اليوم وغدا لإتمام اليقظة الإسلامية المباركة، فانتزاع إمامة الأمة من يد ذرارينا المغربين، فقيادة الزحف الإسلامي إلى مسك زمام الحكم، فإقامة دولة القرآن بتربية الرجال، وتجنيد الشباب، واكتساب العلم، وتوجيه الجهاد، وبناء المؤسسات السياسية، وإحياء الاقتصاد، وتحرير الأمة من الاستعباد والتبعية حتى توحيد دار الإسلام، ونصب الخلافة على منهاج النبوة ؟»[16] .
ولا يتحصل هذا العلم وسمه وسمته ورسمه إن لم يكن الهم الله، والغاية الله، والوجهة الله، والنهج إتباع رسول الله: «و اعلم أن المنهاج النبوي هو ذاك الصراط الذي تضع فيه قدميك على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ..... لا تحسب أن المنهاج النبوي .... يكون منهاجا نبويا إن لم يجمعك على الله تعالى، ولم يستحثك للإقبال عليه عز وجل، ولم يوقظ همتك إليه. لا تحسب أن مقاومة الظلم والكفر، وإقامة الدولة الإسلامية، تفيدك أنت شخصيا في الدار الآخرة وعند الله تعالى إن لم يكن حبه وطاعته وخدمة دعوته ونصرة قضيته هي فكرك ومعناك، هي غذاؤك وشرابك، هي جسمك وروحك، هي حياتك وموتك. ...فاعرف لم تتحرك الجماعات وأين تتجه، وتأكد أن تحافظ أينما كنت لتكون الوجهة الله، والموعد الله، ولتبقى الوجهة الله، والموعد الله»[17].

















