ملخص البحث: العقل والوحي في نظرية المنهاج النبوي


الدكتور أحمد الفراك

باحث في الفلسفة من جامعة السلطان المولى سليمان - المغرب

لا شك أن العقل هو وسيلة الإنسان لإبصار الآيات وتبيُّن معانيها وتتبعها بحسب سياقاتها، والحذر من الوقوع في الأوهام المحدقة بها، واستكشاف الأجوبة عن الأسئلة الظاهرة والمضمرة في آيات الكتاب وفي واقع الكون، وقد تناول المفكرون والفلاسفة والعلماء من جميع المذاهب وفي جميع الأزمان مفهوم العقل والقضايا الفكرية المرتبطة بها وكتبت في ذلك كتابات لا يمكن حصرها، لكن ذلك لا يغني -في نظرنا- عن الاطلاع على الرؤية التجديدية التي تحملها نظرية المنهاج النبوي. وهي نظرية تجيب عن جملة من الأسئلة الكبرى من قبيل: ما دلالة العقل في القرآن الكريم؟ وما هي علاقة العقل بالوحي؟ وكيف تنتظم هذه العلاقة معرفيا ومنهجيا وسلوكيا؟ وهل العقلانية واحدة أم أن هناك عقلانيات متعددة؟ وهل العقل معطى مشترك بين الإنسانية أم أن هناك فروقا في الدلالة والمصدر المعرفي؟ ثم هل يكفي العقل ذاته في عملية المعرفة أم أنه يحتاج إلى منهاج يرسم له الطريق ويحدد له المهمات؟

- 1- مصدرية القرآن: يؤكد الأستاذ ياسين في كتابه "القرآن والنبوة" أن القرآن الكريم هو المصدر المطلق للمعرفة والحقيقة، فهو بنص الوحي: البرهان والفرقان والإحسان:

- القرآن هو البرهان: بمعنى أنه المرجع المطلق في المعرفة والتقويم والحكم، على الأشخاص والأفعال والأفكار، في الماضي والحاضر والمستقبل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ (النساء: 174).

- القرآن هو الفرقان: بالقرآن يُعرف الحق من الباطل، والعدل من الظلم، والخير من الشر، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان:1)، على نقيض المعرفة المعتدة بمناهجها الوضعية والابستمولوجية التي تلغي القرآن مصدرا وتحاصر نفسها في غاشيةٍ من ظلام الشك والجهل والتجاهل.

- القرآن هو الإحسان: إذ القرآن هدى ورحمة وبشرى للمحسنين، قال الله تعالى: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾(لقمان: 1-3)، نزل ليُتلى فيتجسد في حقائق قلبية وواقعية عينية قابلة للقياس، يحياها الناس "حياة نابضة بالأخوة والقوة"([4])، وليست أفكارا فلسفية مجردة قوامها الظنون والشكوك والتخمينات والنقد ونقد النقد.

- 2- العقل والوحي:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "العقل في القرآن فِعلُ حاسةٍ باطنةٍ في الإنسان تسمى القلب.العقل تلقٍّ لحقائق الوحي بواسطة القلب"([5])، وعملية العقل عن الوحي وإن تفاوت فيها الناس([6]) فإنها لا تتم إلا من خلال التلمذة الكلية على القرآن الكريم، فهي "تعقل فطري سجد أمام عظمة الخالق، ثم سمع الوحي الهادي، وامتثل، وسعى جُهده لتحصيل سعادته الأخروية. العقل...آلة نفيسة ونعمة من الله الوهاب عظيمةٌ وظيفتها السَّعادية الدنيوية والأخروية لا تؤديها كاملةً، ولا جزئيةً، إن لَم تتلمذَ للوحي"([7])، ولا تعارض بين العقل والوحي، إذ الوحي بالعقل يُتدبر ويُفهم ويُطبق،كما العقل بالوحيِ يُوجَّه ويسدَّد ويؤيَّد.

- 3- أقسام العقل:

أ‌- العقل المشترك: العقل المشترك هو الذي يسميه الأستاذ ياسين بـ"العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية"([8]) أو "عقل المعاش المدبر لشؤون الحياة الدنيا"([9])، وهو عقل مشترك بين الناس جميعا، تركيب واحد بين البشر، ويخضع لقانون السنن الإلهية التي بثها الله في الكون، وهي "أسباب وضعها الله عز وجل لا تُحابي مُؤمنا ولا تبخس جهد كافر"([10])، يقول الله تعالى: ﴿ليسَ بأمَانيكُم وَلا أمَاني أهْل الكِتاب مَن يَعمَل سُوءاً يُجْزَ به ولا يجد لَه مِن دون الله وَلياً ولا نَصِيراً﴾(النساء:123)، فـ"هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتألِّه، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات"([11]).

ب‌- العقل الأعمى: وهو العقل الذي لا يهتدي بالوحي. وباستكباره وادعائه العلم والمعرفة "صَمَّ عن سماع رسالة الأنبياء عليهم السلام، وتمرَّد على الله، وأنكر وجود الله، وتأله، وتمطَّى، واستكبر. وبالإعراض عن الوحي لا يتخذ العقل مصدرا للمعرفة سوى الطبيعة والأهواء والميولات الشهوانية وتخمينات الفلاسفة وفرضيات العلوم. وعقل الهوى هو عقل مُصابٌ بـ"عاهة العمى الكلي" عن الاستبصار بعلم الوحي الذي ينير الطريق ويسدد النظر ويؤيد العمل

ت‌- العقل المؤمن: هو "العقل الذي مجَّده الله تعالى في القرآن، وهو فعلُ القلب المؤمن بالله وبالآخرة وبالنبوّة وبالشريعة."([12])، يستقي مسلماته من "كتاب الله تعالى خالق الإنسان ومركب مداركه وهادي من يشاء إلى صراط مستقيم. فهو يتفوق على العقل المعاشي بإضافة إتقان التدبير وفق السنن الكونية باتباع الوحي الخالد اتباعا كليا، فهو مسلم للوحي بإطلاقه وكليته، لا ينازعه ولا يطاوله، وإنما يعيش تلميذا خادما له.

- 4- العقلانية عقلانيتان:

أ‌- راسْينالِتي" Rationalité:" صفة ما هو "راسْيُنْلِ". و"الراسيُنِلْ" هو ما يعتمد على العقل لا على العفوية والعشوائية. فـ"العقلانية بالمعنى غير الإديولوجي ...هي الطرائق الجديدة التي يبتدعها الإنسان على صعيد الواقع أو النظرية لتحسين مردودية جهده ورفع فعاليته...العقلانية هي ببساطة القدرة على الترشيد في العمل والنظر الإنسانيين، وهي القدرة الناجمة عن تراكم الخبرة البشرية والحضارية"([13])،

ب‌- "راسينالزم" Rationalisme: ويسميها بـ"العقلانية العاتية"، فهي"مذهب فلسفي يقول: ليس هناك من شيء لا يدْركه العقل".، أو "هي مذهبية ترفض كل تفسير غيبي للكون"([14]). وهي تتعارض مع الوحي والغيب.

- 5- العقل والحاجة إلى المنهاج:

إذا كان المنهج ضروريا للمعرفة من خلال وظيفته في تقنين الفكر وترتيب الأولويات وتركيب العناصر، وفي غياب المنهجية تفقد المعرفة نظامها، وتفقد المصادر قيمتها، وتتوارى المقاصد الكلية وراء الجزئيات، وتضيع الحقائق في التجزيء والمعرفة الدرية. وتسيطر ردود الأفعال على المواقف والقرارات والأحكام. فإن "المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء"([15])، فالعقل في حاجته إلى المنهاج، كحاجته إلى الوحي، إذ المنهاج نفسه دين من الدين. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة:48).

والحمد لله رب العالمين