ملخص البحث: القرآن والعقل في نظرية المنهاج النبوي


الدكتور أحمد بوعود

أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي - المغرب

في وقت مبكر من تاريخ الفكر الإسلامي نوقشت مسألة تعارض الوحي والعقل والعلاقة بينهما؛ حيث حاول علماء العقيدة والكلام الإجابة عن الإشكال: أيهما أسبق: النقل أم العقل ؟ وقد حفلت كتب التراث الكلامي بإجابات لم تستطع الحسم في هذا الإشكال.

واليوم، ابتُعثت القضية من جديد، في زمن وُسم بالعقلانية ورُفع لواؤها؛ إذ لا أحد يتكلم إلا باسم العقل، ولا حكم يُقبَل إلا ما كان نابعا من العقل. إنه زمن سيادة العقل. وإن كثيرا من المفكرين المسلمين يستنكفون الحديث عن القرآن والوحي إلا فيما ندر، خوفا من أن يرموا بالتخلف وعدم العقلانية، كما يجتهدون في الظهور بمظهر المسلم العقلاني الذي يعطي وزنا للعقل، ويخجلون من ذكر الغيبيات ويؤولون كل ما لا يتوافق مع العقل، يضاهي في ذلك الماديين والعقلانيين من المفكرين. كما ذهب كثيرون أيضا إلى التأصيل لاعتناء الإسلام بالعقل من القرآن الكريم، وذلك بمنطق الدفاع وإثبات أن الإسلام/ القرآن أعطى قيمة للعقل.

أما الأستاذ عبد السلام ياسين فله نظرة خاصة إلى الموضوع، وذلك انطلاقا من تعريف القرآن والعقل؛ فالقرآن عنده يعرف نفسه بنفسه بكونه برهانا، وفرقانا، وإحسانا. وهذه الصفات هي التي تحدد مكانة العقل في القرآن وتفتح سبيل التعامل معه وحدودَه. كما أن العقل عنده نوعان: عقل مشترك بين جميع البشر، أيا كان دينهم ومذهبهم، وعقل مستنير بنور الوحي والقرآن.

فكيف يعرف الأستاذ ياسين القرآن والعقل ؟ وما دلالات تعريفه لكل منهما ؟ وكيف ينظر القرآنُ إلى العقل ؟ وما العلاقة التي ينبغي أن تسود بينهما في نظره ؟ علاقة إقصاء أم احتواء ؟ وما الجديد الذي أتى به الأستاذ ياسين في الموضوع ؟

هذا ما حاول البحث الإجابة عنه عبر منهج وصفي تحليلي من خلال ثلاثة مباحث:

1- القرآن والعقل: تعريف وتوصيف، حيث عرضت أهم تعريفات كل من القرآن والعقل، ثم بعدها تعريف الأستاذ عبد السلام ياسين لكل منهما.

2- القرآن وزمان العقلانية: حيث عرضت هنا أصول العقلانية وبينت كيف ظهرت في بلاد الغرب، ثم عرضت موقف الفكر الإسلامي المعاصر منها، وختم بموقف الأستاذ ياسين.

3- العقل والقرآن: أية علاقة ؟ وهنا بينت وظيفة العقل ومكانته في القرآن حسب الأستاذ ياسين، وكيف ينبغي التعامل مع العقل والعقلانية.

وهذه أهم الخلاصات:

1- يعرف الأستاذ ياسين القرآن انطلاقا من القرآن نفسه، فيصفه بأنه فرقان، وبرهان، وإحسان.

فرقان: ويعني هذا أن الفيصل بين إيمان الناس وكفرهم هو موقفهم من القرآن، وبه يفرق بين الحق والباطل، ومن لا يدخل تحت راية القرآن فهو تابع للباطل، وليس للحق. وإن كون القرآن فرقانا يعني "أن يسود سيادة مطلقة"[1]. وقد استنتج هذا من قوله تعالى: ﴿ تَبَارَ‌كَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْ‌قَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرً‌ا ﴾ (الفرقان: 1).

برهان: "أن نحكم بكلام الله الأزلي على عقل البشر المخلوق العبد الخاضع لتطورات الزمان والمكان. معناه أن يجلس العقل مجلس التلميذ يستهدي الوحي ويستنير به. ومعنى كون القرآن برهانا، ومعنى كونه نورا مبينا، أن كلام الله هو المرجع، به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته"[2]. وإن وصف القرآن بالبرهان تدل عليه الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْ‌هَانٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورً‌ا مُّبِينًا ﴾ (النساء: 174).وهذا المعنى الذي ذهب إليه الأستاذ عبد السلام ياسين هو نفسه الذي نجده عند المفسرين.

إحسان: "الاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلال بآياته الحكيمة وآيات الله في الكون لا يحق لنا منه نصيب إلا بمقدار ما معنا من إحسان. أي من تعلق بالله جل جلاله واستماع لكلامه مستحضرين من يخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يصيرنا. وبهذا يكون محور حياتنا هذا الموقف الإحساني، وتكون قبلتَنا الله جلت عظمته..."[3] وهذا ما يستنتج من قوله سبحانه: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ﴾ (لقمان: 2-3).

وهذه الصفات هي التي تحكم نظرته إلى العقل والعقلانية. وهنا يتجاوز التعريفات المدرسية. وهذه التعريفات لها أصولها في كتب المفسرين قدامهم ومحدثيهم.

2- يقسم الأستاذ عبد السلام ياسين العقل إلى نوعين: عقل معاشي هو الآلة المشتركة بين جميع البشر، وهذا العقل هو الذي يخترع ويدبر الأمور المعاشية. وعقل هو المتلقي لحقائق الوحي ونوره ويهتدي بهديه. وهذا هو العقل المقصود في القرآن. إن مادة عقل في القرآن لا تعني العقل المعاشي المشترك بين جميع البشر. من هنا يدعو الأستاذ ياسين الإنسان المؤمن على الجمع بين هذين النوعين، ويحذر من الاقتصار عللا أحد دون الآخر، لما لذلك من عواقب سيئة على حياة الإنسان دنيا وأخرى.

3- تعتبر العقلانية نتاج فكر غربي لا يؤمن بالله، وقد استقدمت إلى بلاد المسلمين من قبل مسلمين مغربين منبهرين بما تحقق من تقدم في الغرب.

4- تميز نظرية المنهاج النبوي بين عقلانيتين: عقلانية علمية تجريبية هي التي تخترع وتدبر الأمور المعاشية الحياتية وتحقق التقدم الدنيوي. وعقلانية فلسفية هي التي تؤله العقل وتجعله المرجع الأول للإنسان، فلا دين مع هذه العقلانية إلا دينها. وهذه العقلانية تعزز موقفها بما تحققه العقلانية العلمية من تقدم وعلوم وإنجاز على مختلف الأصعدة.

5- إن التعامل مع العقلانية في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين لا يمكن أن يكون بمراقبة العقل والحد من حريته، فهذا سيكرر ما وقع في تاريخ المسلمين من ذبول وسكون وما حدث في تاريخ الأوربيين من تمرد وثورة على الدين. لذا يقترح صاحب نظرية المنهاج النبوي أن توزن العقلانية بميزان القرآن، لأنه هو البرهان، وأن تكون المراودة بالإقناع هي المنهج في التعامل مع العقل والعقلانيين. وهذا الإقناع الدعوي يتم بصحبة حانية ورفيقة، ترفع العقلاني من حضيض الغفلة إلى نور القرآن وإحسانه.

وأخيرا:

لقد تبين من خلال هذا البحث أن موضوع العقل والقرآن حظي باهتمام كبير في نظرية المنهاج النبوي، ولا يخلو كتاب من كتب الأستاذ عبد السلام ياسين من الحديث عن القرآن والعقل، وذلك إما منفردين أو مرتبطين. ولا غرابة في ذلك ما دام الكاتب يتوجه إلى مختلف نخب عصره.