ملخص البحث: التأصيل المنهاجي لاقتحام العقبة


الدكتور محمد ياسين العشاب

كلية العلوم القانونية والاقتصادية بطنجة - المغرب

الأستاذ محمد ياسين العشاب

ما بين السياق القرآني والتأويل المنهاجي لاقتحام العقبة تنجلي لنا أبعاد التربية الإحسانية والبناء الجهادي للأمة، وبين الأبعاد والبناء مسافاتٌ يختصرها المضمون المنهاجيُّ الذي يتجاوز الأحكام التفصي﴿ لية إلى ما وراءها في نطاق فهم شموليٍّ وعميق، وينطلق من حَيِّزِ الجزئيات إلى أفق الكليات، ويرتفع بالمعنى إلى أسم﴾ ى ما يمكن الوصول إليه لتحصيل درجات الكمال الإيماني، وتحقيق موعود الاستخلاف والتمكين والأمن.

إن التأمل العميق في معاني سورة البلد يفضي بنا إلى التعرف المباشر على مضمون التربية الإسلامية الذي يخاطب العمق الإنساني، ويستجلي أبعاد النفس البشرية وما تحس به من غربةٍ وخواء أو ما قد تقع فيه من عبثيةٍ إن هي ظلَّتْ بعيدةً عن الله، وأن ارتفاع هذه النفس من وهدة الخمول إلى قمة السمو إنما تمهده صحبة المؤمنين المتواصين الصابري"ن المتراحمين المجته" دين في طلب وجه الله والاستواءِ مع أصحاب الميمنة.

وينظر التأويل المنهاجي إلى مفهوم اقتحام العقبة نظرة شاملة، يتحول بمقتضاها مفهوم فك الرقبة من إطاره الجزئي الذي لا يتجاوز باب الكفارات في فقه العبادات، إلى المعنى الواسع الشمولي الذي يجعل منه تحريرا للإنسان عامة من العبودية لغير الله عز وجل، ويرتفع حكم إطعام اليتيم والمسكين من درجة قربة وطاعة إلى مستوى تحرير طاقات الإنسان بأسرها لينتج بها ما يستطيع به إطعامَ المعوزين بدءًا من إطعام نفسه، أما الكينونة مع الذين آمنوا فتتحول إلى تحرير كامل للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد واندماجه في الجماعة، فينضج بذلك وعي المؤمن ويَصِحُّ مسارُهُ عندما يكتمل في وعيه الجمع بين المصيرين: مصيره الفردي إلى الآخرة، ومصير أمته إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض.

إن عناصر العقبة متداخلة ومتكاملة من ناحية الوظائف والعلاقات، ويرتبط تحديد طبيعتها بالبعدين الداخلي والخارجي للإنسان.

فمضمون العقبة بالنسبة للفرد المؤمن هو نفسه أولا يخلصها من شوائب الذهنيات والعادات، ويتعلق هذا المضمون ببعديه الفردي الداخلي والخارجي بعنصر الحرية، وترتبط هذه الحرية بأبعاد مختلفة، فهناك البعد الاجتماعي الذي يلعب دورا حاسما في توفير شروط الاقتحام، وهناك البعد الاقتصادي الذي يتحكم بشكل مباشر في حرية الإنسان ومدى قدرته على تحقيق غاياته التربوية، وهناك البعد النفسي الذي يشكل سببا قويا من أسباب الاستسلام والتنازل عن الحرية، وتجتمع كل تلك الأبعاد عند مستوى الأنانيات والذهنيات والعادات المثبطة.

ويرتبط هذا المستوى من الاستسلام للعقبة بسيطرة ثلاثة أنواع من الذهنيات:

1ـ الذهنية الرعوية: وتعبر عن أسلوب تفكير النفوس القاعدة ونظرتها السلبية إلى الحياة، تلك النظرة التي تنفر من المشاركة الفاعلة والخوض في غمار التدبير الإيجابي.

2ـ الأنانية المستعلية: وتخص الفئة التي ارتهنت بما أنجزته وحصلت عليه من منافع شخصية ومآربَ ذاتية، "ويعوق أصحابَها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه"، فيطول أملهم وتعلقهم بما بين أيديهم.

3ـ العادة الجارفة: وتسلب الإنسانَ حريته بانقياده التام لتيار التبعية العمياء لكل ما اعتاد عليه الناس، وهي التبعية "المانعة لنا أن نعرف معروفا بميزان الشرع، أو ننكر منكرا يذمه الشرع".

وحسب النص القرآني من سورة البلد، فإن "اقتحام العقبة" يشمل ثلاثة أبعاد كُلٌّ منها ينطوي على عائق من العوائق التي تحول دون عملية الاقتحام:

1 ـ الرق الذي يرهن حرية الإنسان ويسلبه إرادته ويُخضعه لغيره، والرق في معناه المنهاجي العام هو كل ما يصفد حرية الإنسان فيجعله رهينا بإرادة غير إرادته.

2 ـ الفقر وطلب القوت الذي يَغُلُّ كلَّ همة تطمح إلى الارتقاء في درجات البر، والحث على الإطعام كما ورد في سياق الآيات هو في المعنى المنهاجي العام يخص التحرير الاقتصادي لسائر الأمة، كما أنه دعوة لتحرير طاقات الإنسان لينتج بها ما يستطيع به أن يطعم المعوزين بدءًا من إطعام نفسه، أي أن يغطي الاقتصادُ الحر حاجيات المجتمع دون استعباد مذل أو استغلال مهين.

3 ـ العزلة والانفراد عن الجماعة يحول دون الاقتحام الكامل، لأن مجرد طلب الخلاص الفردي لا يخدم أهداف الدعوة ولا ينهض بالأمة، ولكن ينبغي أن تتحقق الكينونة مع الذين آمنوا ليتحرر الإنسان المؤمن من عقبات العزلة والانفراد.

وينبني التخطيط لاقتحام العقبة كما أحكم معطياته المنهاجُ النبوي على ثلاثة عناصر أساسية:

1ـ العلنية وتجنب السرية: إذ تذهب نظرية المنهاج النبوي إلى أن جند الله العاملين إن لم يتجنبوا منزلقات السرية ضيعت على الحركة الإسلامية عموما فرص التواصل، وأتاحت للعدو أن يَصِمَها بالانعزالية والعنف، ويزجَّ بها في مستنقعات التهميش والتخويف ليجعل منها عدوا للحضارة والرفق والرحمة.

2ـ الرفق وتجنب العنف: فالرفق هو خلاصة المنهاج الإسلامي، وأصل من أصول الدعوة النبوية، وهو لا ينافي رد المظالم ودرءَ الفساد وتغيير المجتمع، كما أن القوة لا تتنافى مع الرفق الذي يؤتي الله به ما لا يؤتي على العنف.

3 ـ تجنب الاعتماد على الخارج: فدعوة الله عز وجل تعلم أولَ ما تعلم التوكلَ على الله والاعتمادَ الكلِّيَّ عليه في سائر الأمور، فليس يغري المؤمنَ ما عند غيره من مظاهر القوة والنجاح المادي الدنيوي.

ومن منظور نظرية المنهاج النبوي، فإن أي حديث عن العقبة لابد أن يأخذ في عين الاعتبار بعدين أساسيين لا محيد عنهما:

ـ البعد الإحساني: ويتمحور حول سلوك الفرد المؤمن وما يعترض سبيله من عوائق وحواجز وصعوبات نفسية وذهنية وقلبية وعقلية، وكيفية التخلص من كل ذلك في سبيل بلوغ مراتب الإحسان.

ـ البعد العدلي: وغايته تحقيق العدل من ثلاثة جوانب، الجانب الاجتماعي، والجانب الاقتصادي، والجانب السياسي، والخروج من براثن التخلف الحضاري والظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وما يرتبط بهما من فساد حاضر وموروث باعتبارها حواجز تحول دون تحقيق الغاية الاستخلافية.

وكل مؤمن مقتحمٍ سالكٍ طريق الاستقامة لا بد وأن يمر بثلاث مراحل وفق تدرُّجٍ حكيم:

1 ـ إنجماعٌ على الله بصحبة الأخيار وذكر الله وحسن عبادته.

2 ـ إعداد القوة بالانضمام للجماعة المجاهدة.

3 ـ بذل الثمن المعلوم باسترخاص النفس والمال فرارا إلى الله.

وفي إطار المراحل الثلاث، يحدد المنهاج النبوي كيفية اقتحام العقبة الجماعية تفصيلا عند عرضه لمهمات جند الله وفق تخطيط يتدرج من أسفل العقبة حيث واقعنا كأمة مختلفة مقهورة، وينتهي بقمة العقبة في مقام الخلافة عن الله ورسوله.

كما يعرض المنهاج على طول خط العقبة المعراجَ السلوكي من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، ويفصِّلُ المجالَ العمليَّ التطبيقيَّ لهذا المعراج التربوي من خلال عرضه للخصال العشر مرتَّبةً وما ينضوي تحت كل خصلة منها من شعب الإيمان: الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت الحسن، التؤدة، الاقتصاد ثم الجهاد.

والخصال العشر مراحل على طريق الصعود في العقبة، أما شُعب الإيمان فتُكوِّن مضمون الإسلام ومحتوى الإيمان، وترتيبها معراجٌ إحساني يرتفع على درجاته المؤمن وجماعة المؤمنين.