ملخص البحث: الأسس القرآنية لمجالات الإحسان


الدكتور أميد نجم الدين جميل المفتي

جامعة صلاح الدين - العراق

الدكتور أميد نجم الدين جميل المفتي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين..

أمّا بعد: فإن الدّين الإسلامي من الأديان السماوية التي اهتمت بالإحسان اهتماماً بالغاً، نظراً لوقوف صلاح العبد عليه، فأخذ الإحسان من القرآن الكريم العشرات من الآيات التي تخصّ هذا المبحث القيِّم، والسنة وضعت المبدأ والأساس لهذا المحور النّفيس.

وانطلاقاً من هذا الاهتمام فإنّ هذه المرتبة السامية شغلت عقول العلماء والمفكرين، ففصّلوا فيها واستنبطوا الكثير حولها، تسهيلاً لسالكي طريقها. ولا غرابة من تسمية هذه الغاية النبيلة باسم علم السلوك أو التصوف أو الزهد والرقائق أو غيرها، بياناً لشرف المسمّى، ولكن الأهمّ من كلّ هذا : الغوص فيها، وابتغاء المسلك الموصل إليها،للتّلذّذ بلذَّة القرب من المعبود سبحانه. ولعلّ مسلمي هذا العصر من أكثر الناس حاجة إلى الإحسان، فهماً وتطبيقاً، نظراً لاستيلاء الحياة المادية وطغيانها على جميع مرافق الحياة، وكثرة أدوات الإضلال، ولكن الإسلام لم يفقد رجاله الصادقين المخلصين، ونحن من خلال هذه النافذة المباركة، نقف عند فكر الأستاذ المربي والمفكر المعاصر الشيخ عبد السلام ياسين، ونبيِّن الأسس القرآنية لمجالات الإحسان في فكر هذا الأستاذ الجليل الذي استلهم أفكاره من نصوص القرآن ومنهاج النبوة (على صاحبه الصلاة والسلام)، ومنهما معينه، وعليهما اعتماده.

وقد استدع الأمر منّا أن نقسم بحثنا إلى ثلاثة مباحث، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، الأول منها لخّصنا فيه مبحث الإحسان في القرآن، والثاني لبيان الإحسان في منهاج النبوة (على صاحبه الصلاة والسلام)، ثم يأتي الثالث والأخير لبيان مجالات الإحسان في فكر الأستاذ، وذلك من خلال مختلف كتبه العلمية.

وقد وصل البحث بمباحثه الثلاثة إلى جملة من الأمور يمكن جمعها في الآتي:

الإحسان غاية مقدّسة في جميع الأديان، وموضع اهتمام الدِّين الإسلامي على وجه الخصوص، فهو مطلب قرآني، ومعناه في القرآن: الإخلاص، والبِرّ، والإتقان، والجمال، وصفاء القول والعمل. وذكر القرآن أنواعه، وصفات أهله وثوابهم، وتطرّق إلى ثماره الدنيوية والأخروية، وأشار إلى حُكمه الشرعي، ولا يخرج معنى الإحسان في منهاج النبوة (على صاحبه الصلاة والسلام) عن معناه القرآني، إلاّ أن السنة وضعت المبدأ العام له ، وعرّفته ، وفصّلت في مباحثه وفروعه المتكاثرة.لا زال أهل الفكر والتقوى من المسلمين على إلمام بمباحث الإحسان، ويشحذون الفكر باستنباط الكثير من معالمه وثماره، يستلهمون من المنبع وأصلي التشريع، ينيرون الدرب للسالكين الذين يبتغون رضوان الله وقربه، ولا يمكن الاستغناء في هذا المبحث القيّم عن فكر وتجارب وكتبِ أستاذ ومفكرٍ إسلامي معاصرٍ، وهو الشيخ عبد السلام ياسين، الذي رفع العلم في هذا الميدان، عِلماً وتطبيقاً.تحدّث الأستاذ عن الإحسان في مجالات متعدّدة، من بيان المفهوم والأنواع والمراتب والمكانة، وتجسيده في حياة المسلم وحاجة الأمم إليه في مجالات الحياة المختلفة، ووقف عند صفات أهله،وبيَّن الأسس القرآنية لمجالات الإحسان، وغيرها من المباحث المتعلقة.من معاني الإحسان عند الأستاذ: الإتقان، وتحسين العمل والصِّدق والدراية فيه، ومراقبة الله ذي الجلال، والحكمة، والمداراة، والمعروف إلى الناس. يقول الأستاذ:(...إن الإحسان بمعنى الإتقان والدِّراية...)، ويقول عندما يتكلَّم عن أهل الحديث : (...إنّ أهل الحديث "رضي الله عنهم" هم أهل الإحسان بالمعاني المتعدِّدة للكلمة : إحسان في العبادة ، وإتقان لصناعتهم الجليلة ، وإحسان للخلق كافةً بما حفظوا عليهم من هذا الدين...)، ومفهوم الإحسان الموضوعي جمعه الأستاذ في : إحسان في علاقة العبد مع الله ، وفي علاقته مع نفسه ، والثالث فيما بينه وبين ما حوله.مراتب الإحسان ثلاث عند الأستاذ، وهي: السَّماع، والقبول، والتربية. فعلى السالك له أن يسمع ويتعلّم ، ثمّ يحوِّل ما سمعه إلى العمل والتطبيق ، ثمّ يصل إلى التربية الإحسانية. وبيّن أنّه في هذه المراحل يحتاج العبد السالك إلى القُرب من أهل الإحسان والتأسي بسلوكهم وأحوالهم، والاتصاف بمواصفاتهم، لأنهم المدركون لدقائق هذه المرتبة العظيمة في الدين . حيث قال ـ عندما يتحدّث عن الشيخ حسن البنا ـ : (...لكن التربية القلبية التي تُرَسِّخُ الإيمان، وتسمو بالروح لمعارج الإحسان، تلقاها على يد أهل الطريق، كما تلقّاها الغزاليُّ وما لا يُحصى من علمائنا العاملين)، ويقول عندما يتكلم عن الصلة بين الصوفية والفقهاء ، أثبت حاجة الفقهاء إلى أهل التصوف والإحسان ليصقل قلبه ، ومثل بالإمام السيوطي الذي بلغ ما بلغ مع هذا لجأ إلى مشايخ الشاذلية ويتخذهم قدوة وأدلة . وكثيراً ما يهتم الشيخ بأقوال أهل الإحسان والسلوك من القدماء والمعاصرين.ذكر الأستاذ أن هناك تفاوت في حظّ العباد من التذوق الإحساني ونيل مدارجه ، وهذا التفاوت نظراً لاختلاف درجاتهم في حبّ الله ورسوله(صلّى الله عليه وسلّم) ، وصِدقهم ، وذِكْرهم لله ، واتباعهم لله ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم) . أي راجع إلى : قابليات العبد وجهده واستعداد تلقيه. يقول الشيخ : (القابليات للكمال الإحساني متفاوتة عند العباد ...).بيّن الأستاذ أن عموم المجتمع البشري بحاجة إلى الإحسان لتحقيق الرفاهية والسموّ ، فلا يمكن الاستغناء عن الإحسان في مختلف ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ،فهو مطلب ضروري في تطوير العمل وإنجازه على أتمِّ الأوجه وأكمله ، أياً كان هذا العمل ، والفرق بين المحسن المتديِّن وغيره في المسألة ، هو : أن الإحسان بعيد المدى في حقّه ، لدنياه وأخراه ، لأنّه التزام عاطفي فكري يغاير الالتزامات الدنيوية المحضة .للإحسان عند الأستاذ ثماره الدنيوية والأخروية ، ويتجسَّد الإحسان لدى المؤمن في مظهر البر والعطاء، وإتقان العمل وإنجازه على الأكمل ، فضلاً عن هذا فهو ركن لتجديد الإيمان وتحقيق العدل وتكميله. بل هو وعاء للفضائل في مسلك التربية للفرد والمجتمع ، لأنّ التربية الصادقة عند الأستاذ هي التي يبتغى بها تحقيق الإحسان وترسيخه في كيان الفرد ، وكلّ القربات من الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق في جوف الإحسان وفي طريقه ومن شروطه. فضلاً عن كلِّ هذا ، فالإحسان من أسباب الفَرَجِ وفتح البصيرة والتلقّي عن الله.صفات أهل الإحسان عند الأستاذ هي صفات عباد الله المقربين الصادقين ، من نبذ الكبرياء والأنانية ، وعبادة الله على المحبة ، وحبّ الخير للناس والشفقة عليهم وإليهم ، وعلى أدب مع الله والناس ، والمحسن يبذل الجهد لهداية الناس إلى السعادة التي تنال باتباع صراط الله المستقيم . والمؤمن المحسن قريب من القرآن الكريم والسنة الشريفة ( على صاحبها الصلاة والسلام ) ، ويعرف ويحس بهذا القرب قلباً وقالباً، فيهتز قلبه وتسكن جوارحه لطاعة الله تعالى .

وصلّى الله على نبي الرحمة محمد ، وآله الطيِّبين ، وصحبه الغرّ المحجلين ، ومن تبعهم بإحسانِ إلى يوم الدين.