ملخص البحث: مركزية القرآن في التربية الروحية عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الأستاذ محمد صديقي

أستاذ باحث في الفكر الإسلامي - المغرب

إن التربية الروحية هي الزاد الذي يتزود به المؤمن في حياته استعداد للقاء الله عز وجل ، وقد أولى الدعاة والمجددون هذا الموضوع أهمية كبيرة ؛ ويعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين من أهم الدعاة المعاصرين الذين أسسوا للتربية الروحية وفق منهج القرآن الكريم والسنة النبوية.

ومن خلال هذا البحث سنحاول بسط تصور الاستاذ للتربية الروحية باعتماده القرآن الكريم مرجعا أساسيا في بيان وسائلها وأهدافها والأسس التي تقوم عليها.

وذلك من خلال المحاور التالية:

) الأستاذ عبد السلام ياسين وانتقاله من الازمة الروحية إلى التربية الروحية.

) مفهوم التربية الروحية ومقوماتها ومكانتها.

) شروط التربية الروحية .

) وسائل وأسس التربية الروحية.

) محاضن التربية الروحية.

) عوائق التربية الروحية.

) التربية الروحية الواجهة الأولى للجهاد.

الأستاذ عبد السلام ياسين وانتقاله من الازمة الروحية إلى التربية الروحية.

عصفت بالأستاذ عبد السلام ياسين أزمة روحية قادته بعد بحث عميق إلى الخلاص الروحي وما سماه " طريق الحق والحياة " ؛بعد أن التقى بشيخ صوفي أخذ بيده في طريق التزكية القلبية والتربية الروحية.

وبعد هذه التجربة التي خاضها في أحضان الزاوية الصوفية بدأ في التأصيل للتربية الروحية من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية حيث اعتبر المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات.

مفهوم التربية الروحية ومقوماتها ومكانتها.

ينطلق الأستاذ عبد السلام ياسين من التعريف اللغوي للتربية وهو"إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام" ليبرز أن التربية الفطرية ينبغي أن نحافظ عليها بالأخذ بيد الناشئة والآباء والأمهات والمؤثرات من مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام والسير بهم من هلكة الضياع وسوء الاتباع إلى روحانية القرآن وسكينة المسجد .

فالتربية هي معرفة العبد ربه بالتقرب إليه و اتباع منهج موصل إلى مرضاته بضابط الكتاب والسنة. وتطويع العقل والنفس على الاستقامة لله والتعلق القلبي العقلي الكلي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتقوم التربية الروحية على عدة مقومات منها محاضن الإيمان من أسرة مؤمنة ومسجد ومدرسة ، ومحضن جماعة المؤمنين التي يتجدد فيها الايمان وتتنزل فيها السكينة والرحمة.

أما مكانة التربية الروحية فتحتل الصدارة في الفكر المنهاجي للأستاذ عبد السلام ياسين ويعتبرها قطب الرحى في دولة القرآن وغد الاسلام ؛ فالحاجة إلى أطباء النفوس واختصاصيين في أمراض القلوب المعنوية من أشد الحاجات الملحة فالتربية هي المطلب المحوري للأمة.

شروط التربية الروحية:

يلخص الأستاذ عبد السلام ياسين شروط التربية في ثلاث شروط.

أولهما : - الصحبة و الجماعة : صحبة المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة.

ثانيهما : - الذكر : الإكثار من ذكر الله والكلمة الطيبة " لا إله إل الله"نبع الايمان وفيض الأنوار. وتلاوة القرآن وتدبره وتلقيه بنية التنفيذ .

ثالثها : - الصدق : استعداد الوارد للتحلي بشعب الايمان ؛ والاتصاف بإرادة قوية لإنجاز المهمات الموكولة إليه.

هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية،ولا بد من هذه الشروط في المربي والمربى وبيئة التربية.

وسائل وأسس التربية الروحية:

من وسائل التربية الروحية : التدرج في التربية ، والصبر مع المؤمنين والثبات على الحق واتباع منهج القرآن الكريم والثقة بالله والصبر في السير على المنهاج النبوي.

ومن الأسس التي تقوم عليها التربية الروحية ؛ الخصال العشر:

- الصحبة والجماعة : عقد الأخوة في الله والتحاب في جنابه في جماعة منظمة تجابه الطغيان.

- الذكر : توحيد المعبود والخشوع في العبادة والمداومة على العبادة وكل عمل يقوم به المؤمن يكون بنية العبادة.

- الصدق : تجنب أخلاق وصفات المنافقين والتحلي بالصدق في القول والفعل.

- البذل : عطاء وكرم وخدمة وفتوة ومواساة للمحتاجين ونجدة المعوزين.

- العلم : كل ما يقرب إلى الله ويبصر العبد بمصيره و اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل العلوم الشرعية وعلوم الآلة الضرورية في الحياة.

- العمل : العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى ويثيب عليه عباده المؤمنين.

- السمت الحسن : التميز شكلا ومضمونا عن مظاهر الجاهلية ومخابر الفتنة. وتكون لغة خطابنا ومعاني مذهبنا تمْتَحُ من معين القرآن.

- التؤدة : صبر ورفق وطول نفس وتحمل الأذى في سبيل الله .

- الاقتصاد : توسط رفيق وسير حثيث في الدنيا لا يزيغ بالعبد عن الآخرة والمطلب الاحساني.

- الجهاد : جهاد بناء ومطاولة تنقض معاقل الكفر وصروح الباطل في الديار لتبني جيلا وعقلية ، وإيمانا ، ونمط حياة ، ومقومات حياة.

محاضن التربية الروحية:

من محاضن التربية الروحية التي تتشكل منها الفطرة الانسانية في المنهاج النبوي الأسرة المسلمة فبصلاحها يصلح الفرد وبفسادها يفسد ، لذا ينبغي الاعتناء بها وتوفير بيئة إيمانية لتنشأ الأجيال الصالحة المؤمنة. ثم الأم باعتبارها المدرسة الأولى التي تخرج الناشئة و أهم ما نعد من قوة أمومة مبرورة برة مربية ، تصنع مستقبل العزة للأمة.ويأتي بعد ذلك المسجد، فهو المركز الأول في حياة المجتمع الايمانية والسياسية والتوجيهية ، وروح المسجد لابد أن تسري في حياة الناس، وفي ميادينهم ومجالسهم.

أما المدرسة والجامعة فهي محاضن لغرس القيم في النفوس ، لذا يجب إدخال هذه المؤسسات إلى الاسلام ، بكلمة شهادة تثبت هويتها الاسلامية. لتتخرج منها أجيال لهم شخصية ربانية تتجسد فيها أسس التربية الايمانية .

ومن هذه المحاضن المؤثرة الإعلام الذي يسهم في تربية الأجيال ويستأثر بالأذهان والأوقات والأعمار والأخلاق ؛ لذا على الامة أن تدخل في غمار التنافس حول إعلام هادف يخدم التربية الايمانية ، ويهذب الاخلاق ، ويحافظ على الفطرة.

عوائق التربية الروحية:

من بين عوائق التربية ما يسمى بـ"المذهبيات الجاهلية" وهي :- ظن الجاهلية – تبرج الجاهلية – حمية الجاهلية – حكم الجاهلية. ومن العوائق التي اعتبرها الأستاذ من "المزالق" التي ينتج عنها عدم التوازن في التربية :- الاسلام الفكري – إسلام الزهادة – الاسلام الحركي. ومن عوائقها أيضا العقبات النفسية والاجتماعية أو ما يسمى بالذهنيات الثلاث : - الذهنية الرعوية - الانانية المستعلية - العادة الجارفة.

التربية الروحية الواجهة الاولى للجهاد:

إن الخلل الحاصل في أي باب من أبواب الجهاد راجع إلى الخلل في التربية. والتربية الايمانية تربي النفوس على الطمع فيما عند الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا وجعل الجهاد والاستشهاد أسمى الأماني ؛ لذا فالتربية الجهادية تسهم في إنشاء جند الله المقاتلين الطالبين وجه الله.ولا يقصد بالجهاد جهاد السيف فقط بل جهاد البناء والتعبئة.

ومما تحتاجه الأمة هو السلوك الجهادي أي النهوض لجهاد بناء الأمة ، اقتصادها ،وصناعتها ، وتعليمها وسياستها وتنظيمها وإحقاق الحقوق فيها بالعدل والإحسان.

خاتمة:

يعتبر الاستاذ عبد السلام ياسين من المجددين في تأصيله للتربية الروحية انطلاقا من القرآن الكريم ، حيث كانت التربية الروحية فيما مضى مجرد نقول شفهية من مريدين لشيوخهم بعيدا عن التأصيل الشرعي لأورادهم وأعمالهم.

كما أنه حاول الجمع بين ما تفرق من الدين و توحيد الأمة بالرجوع الى الأصل وترك الخلافات المذهبية الضيقة ؛ ودعوته الكل الى التتلمذ تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛والجمع بين التربية الايمانية الاحسانية والسلوك الجهادي كما كان الصحابة رضي الله عنهم رهبان بالليل فرسان بالنهار.

إنه مهما استفضنا في الحديث عن التربية الروحية أو التربية الايمانية الاحسانية بالاصطلاح النبوي ،فلن نستطيع أن نحيط الموضوع من كل جوانبه ، فهذا الموضوع بشهادة أهله لا يكون بالتنظير ولا يتعلم من الكتب ،وإنما يكون بالصحبة ؛ أي صحبة المشايخ أهل التزكية والتربية ؛وهذا ما حاول الاستاذ عبد السلام ياسين أن يبرزه من خلال نظرية المنهاج النبوي فهو يرشد الى التنقيب عن هؤلاء المشايخ ائمة التربية العارفين بالله .

والحمد لله رب العالمين.