الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد اختلفت الاجتهادات الدعوية للجماعات الإسلامية في مدى اعتماد التربية الإيمانية منهجاً في العمل الدعوي، إلا أن أكبر الجماعات الإسلامية حضوراً وأكثرها تأثيراً ذهبت إلى ضرورة التربية الإيمانية في بناء الفرد، واعتماد وسائلها في الأطر التنظيمية، فجعلتها أحد مرتكزات التأسيس الفردي، وعملت على تحقيق وجودها ومتابعة استمرارها وزيادتها ضمن أنشطة وبرامج، فخصصت لها جانباً في العمل التنظيمي،كما جعلتها معياراً للتفاضل في الهرم التنظيمي.
وتُعد نظرية المنهاج النبوي من أكثر النظريات والمناهج الدعوية التي تعتمد التربية الإيمانية في البناء والتنظيم، حيث قامت النظرية على ركنين أساسين: التربية والتنظيم، فكانت التربية الإيمانية الركن الأول والأهم في بناء النظرية.
وقد قسمت البحث إلى مبحثين وخاتمة، فكان على النحو الآتي:
المبحث الأول: الأسس الشرعية للتربية الإيمانية في نظرية المنهاج النبوي : اعتمدت نظرية المنهاج النبوي التربية الإيمانية في البناء والتنظيم على أسس شرعية، فكانت مستندها ومبناها، ذلك أن الإسلام جعل التربية الإيمانية محور الأحكام والتشريعات حيث ما كانت هذه الأحكام إلا تحقيقاً للعبودية المطلقة لله تعالى، فكانت الغاية من التربية الإيمانية تحقيق العبودية لله تعالى بشكلها الأمثل والأكمل.
وقد تعدّت غاية الشرع من التربية الإيمانية إلى أمور أخرى -كما أبانت النظرية- منها اطمئنان القلب وراحة النفس، وتنقية المجتمع من الفحشاء والمنكر، والرضى بما قسم الله تعالى للمؤمن، ثم تحرير النفس البشرية من الكثير من الآفات والأمراض.
ويقوم تحقيق التربية الإيمانية -في نظرية المنهاج النبوي- على شقين: ترسيخ القيم الإيمانية في النفس البشرية وتعميق مفهومها، أولا ثم ربط تصرفات الفرد والجماعة المسلمة بهذه القيم الإيمانية ثانيا.
وسائل التربية الإيمانية وأساليبها في نظرية المنهاج النبوي
شرع الإسلام للتربية الإيمانية وسائل كثيرة لتحقيقها فردياً وجماعياً، وقد اعتمدتها نظرية المنهاج النبوي لكونها نظرية دعوية مستقاة من الكتاب والسنة، منها:
أولاً: الشعائر التعبدية: تُعد الشعائر التعبدية أعظم وسائل التربية الإيمانية، ولذا ارتكزت نظرية المنهاج النبوي إلى حد كبير على هذه الوسيلة لتحقيق التربية الإيمانية فاعتمدت الشعائر التعبدية منهجاً في التربية والبناء.
ثانياً: القدوة: تعد التربية بالقدوة من أبلغ وسائل التربية، ولذا جاء اعتمادها في النظرية.
ثالثاً: الموعظة والعبرة : استعمل النبي r مع أصحابه أسلوب الموعظة والعبرة وعلى وجه مستمر، ونجد اعتماده واضحاً في النظرية.
رابعاً: استثمار الحدث : استعمل القرآن الكريم والسنة النبوية أسلوب استثمار الحدث في التربية، وقد نبه الأستاذ ياسين إلى أهميته.
رابعاً: العلم : يُعد التعلم وطلب العلم من أهم وسائل التربية الإيمانية كما هو ثابت بالنصوص الشرعية، وقد اعتمدت النظرية هذا الأسلوب للتربية.
خامساً: العقوبة : اعتمدت النظرية أسلوب العقوبة كوسيلة تربوية مستندة على ذلك من نصوص الشرع.
سادساً: الصحبة والجماعة : اعتمدت النظرية أسلوب الصحبة والجماعة المؤمنة وعدّتها من أفضل وسائل التربية الإيمانية وأعمقها أثراً، بل جعلت هذا الأسلوب شرطاً في تحقيق التربية الإيمانية، وقد جاءت نصوص الشرع متوافرة في تأكيد هذا المعنى. وقد ثبت شرعاً أن التربية الإيمانية واجب شرعي يوجه التكليف به إلى الفرد في خاصة نفسه، ويتوجه التكليف به إلى الجماعة لتحقيقها في أفرادها أيضاً، ونجد هذا المعنى واضحاً في النظرية.
المبحث الثاني: التربية الإيمانية ضرورة تنظيمية في نظرية المنهاج النبوي
اعتمدت نظرية المنهاج النبوي التربية الإيمانية في البناء والتنظيم على أسس شرعية، إلا أن النظرية أضافت إليها أسساً أخرى لتأكيد ضرورتها، وهي عبارة عن دواعٍ تنظيمية فرضتها ظروف العمل الدعوي.
وفي هذا المبحث أطرق مسألتين:
المسألة الأولى: الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية من خلال نظرية المنهاج النبوي
تُعد التربية الإيمانية من الضروريات التنظيمية، وقد ثبت هذا بالشرع أولاً وبالتجربة التي مرت بها الحركات والتنظيمات الإسلامية ثانياً، وأسوق هنا مجموعة من الدواعي التنظيمية للتربية الإيمانية مستخلصاً إياها من نظرية المنهاج النبوي:
أولاً: قوة التأثير : تعطي التربية الإيمانية المثلى للداعية قوة كبيرة في التأثير والإقناع، وهذا ما قرره الأستاذ ياسين في كتاباته.
ثانياً: البركة : إن قوة التربية الإيمانية تزيد الدعوة وقوداً واشتعالاً، حيث يبارك الله تعالى فيها، ويزيدها انتشاراً وقبولاً، وهذا ما أكده الأستاذ ياسين في النظرية.
ثالثاً: توفيق الله تعالى إلى أصوب الأعمال : تُعد القوة الإيمانية للدعاة وسيلة لتوفيق الله تعالى إياهم ونصرهم وتمكينهم، وهي سنة من سنن الله تعالى في هذه الأمة، ونجد هذا المعنى واضحا في النظرية.
رابعاً: الاندفاع والانطلاق في الدعوة : يُعد الإيمان حافزاً قوياً للانطلاق في العمل الدعوى، وهذا من المعاني التي جاءت بها النظرية وأكدته.
خامساً: الوقاية من الأمراض والآفات الحركية والتنظيمية : استفاضت النظرية في تأكيد ضرورة التربية الإيمانية باعتبارها عاملاً وقائياً يمنع ظهور الأمراض الحركية والتنظيمية، ومنهجاً علاجياً في بتر أثرها أو التقليل من ضررها، ومن هذه الأمراض:
· ظهور النزاعات الفردية في العمل الدعوي.
· ظهور التكتلات المتنازعة ومراكز القوى المتصارعة.
· حدوث الانشقاقات الداخلية.
· حدوث الاختراقات التنظيمية.
· ظهور العصبيات المحلية والإقليمية في الحركات والدعوات الإسلامية.
· الاغترار بالقوة بعد الظهور والمكنة.
المسألة الثانية: تطوير وسائل التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية
من الضروريات التنظيمية للحركات الإسلامية تطوير وسائل التربية الإيمانية نظراً لتغير واقع هذه الحركات، ومن ذلك:
· التوازن في عرض القيم الإيمانية من خلال مراجعة أدبيات التربية الإيمانية في الأطر التنظيمية وإعادة النظر فيها، لتحقيق التوازن والتكامل، لتُبنى شخصية الفرد بناء متوازناً يقوى على مواجهة فتنة الضعف وفتنة القوة.
· اعتماد مبدأ الزيادة أو التغيير المنهجي للتربية الإيمانية في ظروف خاصة.
· اعتماد الأناة في التربية الإيمانية لكونها الضروريات التنظيمية للحركات الإسلامية.
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يكتب لهذا البحث التوفيق والسداد وأن يجنبه الخطأ والزلل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

















