ملخص البحث: قرآنية التزكية وأصالتها في المشروع التربوي للأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور محمد شتوان

باحث في التصوف من جامعة محمد بن عبد الله- المغرب

تهدف هذه المداخلة إلى بيان مكانة التزكية والتربية الروحية في المنظومة الفكرية والتربوية للأستاذ عبد السلام ياسين، وذلك من خلال الوقوف على محورية التزكية وأصالتها، واستمدادها المباشر من النبع القرآني والهدي النبوي. ولأجل هذا الغرض اعتمدت محاور، ثلاث وخاتمة مُجَلّية لأهم النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: علم السلوك.. تأصيل قرآني

يظهر لفظ التزكية ـ بصيغه المتعددة ـ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وتدور معاني هذه اللفظة عند المفسرين حول التطهير والإصلاح والتنمية والترقية والزيادة في الحسن والنفع، وتأتي كذالك بمعنى المدح والثناء.

ويرد كذلك لفظ التزكية في القرآن الكريم بوصفه مقصداً مباشراً من مقاصد الوحي وبعثة الأنبياء، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.﴾ .

نقتصر من أقوال المفسرين على ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى:﴿يزكيهم﴾: "أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان؛" وهو قول نسبه لابن عباس.

أما الأستاذ عبد السلام ياسين فقد ذكر من معاني التزكية: "التربية والتطهير"، ثم أتبعها بتساؤل عن ماهية هذه التزكية وكيفياتها؛ "هذه التزكية التي هي فعل المربي المعلم المبعوث، ما كنهها؟ كيف كان يزكيهم؟ كيف كانت عملية التطهير تطبق على الأميين العرب؟

إن اكتشاف سر التربية النبوية ومنهاجها، هو ما حدى بالأستاذ ياسين إلى تسطير مشروع المنهاج النبوي، استجلاء لهذه التربية وتوضيحا لمعالمها وتربية للناس عليها.

العروة القلبية:

إن مدخل الإصلاح الرئيس والبداية الصحيحة لعلاج ما بالأمة من أدواء في تصور الأستاذ ياسين هو: التربية ثم التربية ثم التربية. "في أفق الخلافة الثانية على المنهاج النبوي نستبصر التربية النبوية من زاوية طب القلوب."

القلب ـ يقول الأستاذ ياسين ـ "هو مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها"

إن إغفال تطبييب القلوب، ـ كما هو حال عديد من التنظيمات الإسلامية ـ وإسقاطه من سلم الاهتمامات وجعله وراء وراء، لن يكون إلا بناء على غير أساس، يوشك أن يأتي ببنيان هذه التنظيمات من قواعدها. "فأي علاج للفتنة لا يعمد إلى القلوب بالتربية ليعقّمَ فيها جرثومة الفساد فإنما هو دُهن سطحي وطِلاء وَقْتِيٌّ. أيُّ علاج للفتنة لا يعتمد التربية الإيمانية القلبية التي تُحِل في باطن الأفئدة طمأنينة الإيمان وسكينة الله فإنما هو حَوَمان حول زَريبة الشر وتدخينٌ لَطيفٌ في وجهه."

أسبقية تطبيب القلوب على العقول :

لا شك أن كل غيور على العمل الإسلامي لَيَتملكه الحزن وهو يرى هذا العمل أصبح إلى الشكليات والمظاهر أقرب منه إلى المضامين والجواهر. وإلى العمل الحزبي المتوسل بكل متاح وممكن أقرب منه إلى مبادئ الإسلام وأخلاق الإسلام.

يعيب الأستاذ ياسين هذا الولع "بالفكري" على حساب "القلبي"، ويعتبر أن إغفال التربية الروحية ـ أو التزكية باصطلاح القرآن ـ وإزاحتها من على سلم الأولويات، من أكبر المزالق التي يقع فيها العاملون للإسلام."يغلِّب كثير من إخواننا الإسلاميين الاهتمام بالتكوين الفكري، والتجديد الفكري. وهو أمر لا جدال في أهميته، لكنه ليس التربية التي نريدها شاملة عميقة، قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية حركية تنظيمية بعدُ."

المبحث الثاني: التزكية وجناية المصطلحات

إذا سلّمنا بأهمية هذه التزكية وضرورتها، فالسؤال المطروح هو كيف السبيل إلى هذه التزكية والتربية الإحسانية؟ وما هي شروطها؟ وأي صنف من العلماء اختص ببيانها؟ أين نجد معاني التوبة والورع والشكر والمراقبة... عند التقصّي، لا تكاد تجد مباحث هذه المفردات إلا في كتب التصوف، فهم الذين ولعوا بالنفوس وتزكيتها، ودقائق أحوال القلوب ومقاماتها.. لكن ما علاقة التصوف وهو لفظ محدَث بالتزكية وهو لفظ قرآني، وبالإحسان وهو لفظ نبوي؟

لقد نبّه الأستاذ ياسين في غير ما موضع من مكتوباته على أهمية اعتماد المصطلحات القرآنية في التواصل وتبليغ دعوة الله، لذلك عنون إحدى فقرات كتابه الإحسان بـــــ"جناية المصطلحات" في إشارة منه إلى أن المصطلحات كثيرا ما تجني على الحقائق وتحجب المفاهيم. وهو الأمر الذي أكّده الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه"ربانية لا رهبانية": "من هنا كانت جناية هذا المصطلح، والعرف الشائع (التصوف) على هذه الحقيقة الدينية الناصعة عظيمة، فقد حجبتها عن أنظار كثيرة..."

إن اهتمام الأستاذ ياسين ينصب على المضمون والجوهر الذي أثلته التربية الصوفية، لذلك تراه يعبّر بوضوح عن موقفه من الصوفية ومذهبها في التزكية بقوله:" اعلم يا أخي أولا أنني أزهد الناس في المصطلح إن سلمت لنا مطويات القلوب ومكنونات اللبوب. واعلم ثانيا أن هؤلاء الذين تسموا في التاريخ صوفية أشكال وألوان وأصناف، منهم الصادقون ومنهم دون ذلك. واعلم أخيرا أنني لا أبغي بغير الصحابة المجاهدين المهاجرين إلى الله ورسوله الناصرين بديلا."

ويضيف: " لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان."

المبحث الثالث: التزكية الفردية والتزكية الجماعية الجهادية.

إن التزكية والإعداد الروحي يجب أن يكون أساسا لما بعده؛ من الانطلاق نحو المجتمع ودعوة الخلق إلى الله عز ّوجل، وقد كان هذا شأن الأنبياء صلوات الله عليهم.

نجد في التربية الصوفية حديثا عن المقامات السَنِيّة؛ عن التوبة والإنابة، عن الزهد والخوف والتواضع والإخلاص والرضا واليقين والأنس والقرب... لكن لا نجد حديثا عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن مجاهدة الظلمة وتوحيد الأمة... باختصار نجدهم " منشغلين بمفردات الخلاص الفردي للسامع بقلبه لسلوك عارفيهم، صامتين عن مفردات الخلاص الجماعي لأمة اسودّ نهارها من ظلمات استبداد بعضها فوق بعض."

يحرص الأستاذ ياسين على أن تتلقى الأمة "تربية متوازنة" وهي تلكم التربية التي تعمل على المزاوجة بين المطلب الفردي الأخروي، وبين المطلب الجماعي ومصير الأمة. ولن يستطيع على همّ الأمة إلا من أحكم تربية نفسه وتزكيتها. يقول: " إنه لا يستطيع حمل همّ الأمة، وهو ثقيل، إلا من أصبح همه الله، وغايته طلب وجهه، فهانت عليه الشدائد، واسترخص الموت في سبيل محبوبه."

كما ويشدّد الأستاذ ياسين على ربط التزكية الإحسانية بالجهاد:"نحن همَّنا أن ندرج التربية الإحسانية في سياق جِهادي لكيلا تكون مَخْرَقَة." إن درجة الانقطاع عن العالم ـ يقول الأستاذ ياسين ـ لطلب وجه الله درجة مشكورة مذكورة، إحسان فردي فار إلى الله يفوقه ذكرا عند الله إحسان جهادي جماعي."

فإذا كانت التزكية الفردية تتوسل بالأوراد من ذكر ودعاء آناء الليل وأطراف النهار، فالسلوك الجهادي، يطلب منا الاشتغال ب"وِرْد إعداد القوة، وورد تقويض خيمة الباطل، وورد إقامة دولة القرآن، ودولة العدل والإحسان."

ويعني الأستاذ ياسين بالسلوك الجهادي: النهوض لجهاد بناء الأمة، اقتصادِها وصناعتِها وتعليمِها وسياستِها وتنظيمِها وإحقاقِ الحقوقِ فيها. ولا يعني بالجهاد، والسلوك الجهادي، جهاد السيف والقتال فقط، فذاك جهاد أصغر له مكانه وشروطه، وإنما يقصد الجهاد الأكبر بأبوابه المتعددة، التي جلاّها في كتابه المنهاج النبوي.