لئن كان بعض رفاقه يتأسف لسوابقه الصوفية أحيانا مطالبا إياه أن يكتب متبرئا من ماضيه الصوفيّ، وكأنهم يريدون – بحسن نية- أن يمحوا عنه وصمة عار التصقت به!!؛ فإنَّ الشيخ أبى إلا أن يكتب كتابه "الإحسان" بعد مرور تسع وعشرين سنة على دخوله الحوزة المباركة التي احتضنه فيها شيخه وقدوته العباس بن المختار القادري وليدا تائبا حائرا وهو في الأربعين من عمره!!
ولئن تأخر نشر كتاب "الإحسان" سبع سنوات كاملة، خوفا من الرقابة الصارمة؛ فإن ذلك يضيف بعدا آخر لموقع التصوف في عالمنا المعاصر، فضلا عن مركزية هذا المنحى في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين الذي حاول في فصل "الرجال" أن يقدم للعقلاء نماذج من صوفية الإسلام في مواجهة حملات التكفير التي تطال المشتغلين بالتصوف من قبل دعاة المذهب الوهابي.
وحتى يقطع الشيخ الطريق على من يعلنون الحرب الشعواء ضد المصطلح/الحرب "التصوف" بمجرد ذكره؛ بادر في مقدمة كتابه إلى تأكيد آصالة هذا المنحى الذي سماه القرآن "تزكية"، وسماه الاصطلاح التاريخي تصوفا، وسماه شيخ الإسلام ابن تيمية فقه سلوك تعقبه بالنقد بعد إطلاع واسع على دخائل من تسموا صوفية.ومضيا في الطريق ذاته، يتابع الشيخ رصد هذا المنحى ضمن تضاعيف مواقف وكتابات رجالات المذهب الحنبلي الذين يمثلون مرجعية فكرية وعقائدية للمذهب الوهابي.
وهكذا وجد البعض أنفسهم يتحدثون عن التصوف تحت شعار مقبول مثل "التربية الروحية" دون أن يصارحوا أجيال الصحوة الإسلامية الصادقة بأن التصوف علم وعمل، وأن العلم بما هو التصوف فرض على كل ناصح أمين، وأن المطلب الإحساني يعد أسبق المطالب في سلم الأولويات، وأن طب القلوب هو أهم علم، وتطبيقه أعم عمل.
واتساقا مع منهجه هذا، أكثر الشيخ من اقتطاف نصوص من أطايب الكلام لأمثال الشيخ عبد القادر والرفاعي وابن القيم خرقا للمنهجية الأكاديمية التي تأبى أن تسرد النصوص الطويلة، مستحضرا ما ورد في تذييل ابن رجب على "طبقات الحنابلة"، وما كتبه ابن القيم في "مدارج السالكين" و"دار الهجرتين"، وما كتبه ابن الجوزي في "صيد الخاطر" عن العلم بالحلال والحرام وأذواق أهل التصوف...إلخ.
تسعى هذه الدراسة إلى إنجاز بعض الأهداف المهمة، في مقدمتها: استكشاف موقع "الإحسان" من نظرية "المنهاج النبوي"، وبيان المفهوم ومنهج دراسته ومركزيته في فكر وحياة الأستاذ عبد السلام ياسين، ورؤيته الخاصة بالجمع بين الحقيقة والشريعة، واستحضاره لفقه التربية الروحية عند أطباء القلوب في مواجهة الخواء الروحي.
كما تهتم أيضا ببيان موقع التصوف من مشروع الإصلاح السياسي والفكري والاجتماعي، فإذا كان بإمكان المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة، وأن يطرحوا "الحل الإسلامي" و"البديل الإسلامي" ليقترحوا علاجا "إسلاميا" وفقا لذلك التشخيص، وفي مستواه من المادية والعقلانية، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع؛ فإن صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح القلوب، والأخير يكون بالتربية المبنية على أصول وقواعد الكتاب والسنة.
أخيرا تشتمل الدراسة على المحاور التالية:
أولا: نظرية المنهاج النبوي .. أصولها ووظائفها وغاياتها.
ثانيا: موقع الإحسان من نظرية المنهاج النبوي.
ثالثا: الإحسان مفهومه وحاجة المسلمين إليه.
رابعا: منهج الشيخ في الرد على خصوم التصوف.
خامسا: التربية الروحية وقضايا الربيع العربي .. مقاربة استشرافية.

















