بسم الله الرحمن الرحيم
معالم التجديد التربوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله
الدكتور محمد الزاوي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.
مقدمة
يسلك الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في مشروعه التجديدي ، منهجا شموليا يبسط أصوله ومفرداته على مختلف مجالات الحياة الإنسانية: التربوية والسياسية منها، والفكرية والاجتماعية والمدنية وغيرها.
غير أنه يعطي الأولوية الاعتبارية للجانب التربوي؛ فهو يعتبر وفق نظرية المنهاج حبلا ناظماً لوحدة الأمة العضوية، ومفتاحا أصيلا لنهضتها العمرانية، وعاصماً لتدينها من التدحرج في مستنقع الغفلة الملهية أو السطحية المطغية لمقتضيات الفكر والحضارة.
نقف في هذه المساهمة على معالم التجديد التربوي عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، وقد بسطت الموضوع في ثلاثة مباحث وخاتمة؛ كل مبحث يخص معلماً من معالم التجديد:
المبحث الأول: التجديد في "مفهوم التربية
التربية لغة: التنمية والتقويم والإصلاح، واصطلاحا: تغييرٌ باطني لنفس الإنسان.
أثبت الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ثلاثة تعريفات كلها تنسجم مع الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التربية، والملاحظ أن كل واحد منها يوجه اهتمام الناظر إلى زاوية معينة من العملية التربوية؛ إما إلى الأساس الذي يجب أن تنطلق منه، أو إلى نوعية العلاقة بالمربي، أو إلى الأفق الجماعي المرسوم لها.
وقد جاءت بالترتيب كالآتي:
التربية: إيقاظ الفطرة وتقويمها.
التربية: سماع وتشَبُّهٌ وتمثُّلٌ وتشرُّبٌ.
التربية: تنشِئَة أجيال على الإيمان والإحسان.
بتكامل هذه التعريفات الثلاثة يتخذ مفهوم التربية معنىً قرآنيا نبوياً ـ غيرَ معاني الرهبانية أو الهروب من لفح الواقع ـ يجمع إلى الكمال الروحي والخلقي البصر بالواقع والشهود القوي المؤثر في كل مكان وفي كل مجال وعلى كل المستويات، وبالتالي نكون أمام تربية تنتج الشخصية الربانية العالمة القائمة بين يدي الله آناء الليل وأطراف النهار، والشاهدة بين الناس بالقسط، تتلو عليهم الآيات وتزكيهم وتعلمهم الكتاب والحكمة.
المبحث الثاني : التجديد في "هدف التربية"
هدف التربية الإيمانية الإحسانية تحقيق غايتين متلازمتين تضمنهما قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).:
الغاية الإحسانية: وهي مطلب تربية الفرد المؤمن، قال الإمام المجدد رحمه الله تعالى:" الغاية أن يعرف العبد ربه. وكل ما يسميه لسان الاصطلاح تربية دون أن يحقق هذه الغاية فليس التربية التي نقصدها".
الغاية الاستخلافية: هي مطلب تربية الجماعة المؤمنة وتأهيلها لعمارة الأرض وحمل رسالة الإسلام العادلة للعالمين.
المبحث الثالث: التجديد في "شروط التربية"
نجاح التربية الإيمانية رهين باقتحام عقبة ثلاثية الأبعاد. ومضمون هذا الاقتحام هو إحداث ثلاثة تغييرات عميقة، متداخلة فيما بينها بمقتضى وحدة الإنسان، في نفسية المسلم والمؤمن وعقليته وسلوكه، ليكون في صف المؤمنين في الدنيا فاعلاً متعاوناً على الخير، ومع أَصْحَابِ الْمَيْمَنَةِ في الآخرة متنعماً فائزاً بدرجات السبق والقرب من الله عز وجل.
هذا الاقتحام التربوي الصاعد أفصحت عن أسه وموضوعه واتجاهه سورة البلد، وعليه فالتربية الإيمانية سلوك صاعد مقتحم لعقبات ثلاث في أنفس البشر وفي آفاق الكون، ويتم هذا الاقتحام بتوفر شروط ثلاثة، هي الخصال الثلاث الأولى المؤسسة للمنهاج النبوي:
خصلة "الصحبة والجماعة": اقتحام لعقبة الأنانية الفردية الحائلة بين الإنسان وعالم التحرر الروحي.
خصلة الذكر: اقتحام لعقبة العقل السابح في غلواء الحس والمادة.
خصلة الصدق: اقتحام لعقبة العادة القاعدة بالإنسان عند غرائز الشهوة والشح والكسل.
نخصص الحديث هنا عن مفصل، بل موصل من أهم مواصل البناء التربوي التجديدي عند الإمام المجدد، بل من أهمها على الإطلاق: ألا وهي الصحبة في الله: " نقطة البداية وشرط استفتاح السلوك، وباب السير، وزاد السفر. هي المفتاح وكفى"[1].
خُلة في الله، وبيئة مُنهِضة إلى الله يضع لها الإمام المجدد رحمه الله مقتضيات قرآنية نبوية، وواجبات ظاهرة، وأسباب مشروعة، وأصولاً شرعيَّة وحدوداً، لكيلا تستحيل المسألة إلى عاطفة عائمة تبركية تميل بالقاصدين إلى الغلو في الشيخ المربي، واتخاذه سقفاً بشريا بينهم وبين الله ورسوله، من أهم هذه الأصول والحدود الشرعية:
·التعبيرُ العمَلي للصُّحبة ُمنصَبُّ على محبة شخص الرسول المكرم عند الله.
·صحبة الجمع والتأليف الجهادي لا صحبة الاعتزال والخلوة.
·صحبة السلوك غير صحبة التبرك.
المتقرر عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن التبرُّك غير السلوك:
التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته "وارث" من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على "وظيفة" الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق يقصدها العامة للتبرك بالشيخ، يسألونه الدعاء في حاجة مريض أو غائب أو إدرار رزق. وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله[2].نتائج الانغلاق التبركي:
الجمود العقلي.
والانحسار التربوي.
الغلو الكامل في الشيخ.
والله الموفق لكل خير
الدكتور محمد الزاوي
[1] - الإحسان، عبد السلام ياسين، ص 2/ 78 و410.
[2] - الإحسان عبد السلام ياسين، 1/243.

















