بسم الله الرحمان الرحيم
التجديد في مشروع الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله
ذ. محمد الحمداوي
فلسفته،أصوله، خصائصه ومجالاته.
أولا: مفهوم التجديد
نعني به إحياء الفهم السليم لدين الإسلام وبثه وسط الأمة والدعوة إليه، والعمل على بعث الإيمان وتقويته في القلوب، و تحرير إرادة الأمة من كل خضوع لغير الله تعالى، و تربية الأفراد على السلوك القويم، وعلى روح العمل الجماعي التعاوني الأخوي، وإنتاج فكر واجتهاد متجدد، يوحد الجهود و يجيب عن تحديات الأمة الحالية وحاجياتها المستقبلية في مختلف المجالات، ويحدد معالم النهوض والبناء.
يقول رحمه الله:" ليس التجديد تغييرا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة"[1]
ب- فلسفة التجديد عند الإمام رحمه الله
تنبني هذه الفلسفة على نظرة إيمانية تحريرية شاملة، فاحصة ومتكاملة وأصيلة للدين والإنسان والتاريخ والتراث والحضارة المعاصرة، وتغطي مجالات التربية والتنظيم والعلم والمعرفة، في أفق تحقيق التغيير والنهوض والبناء، كما تستشرف مستقبل الأمة نحو الأفضل بكل يقين وإرادة.
ومن خلال استقراء كتابات وتوجيهات ومسار حياة الإمام المربي الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، يمكن الوقوف على جملة من الأصول التي تنطلق منها هذه الرؤية التجديدية لمشروع البناء الذي أثله الإمام رحمه الله على مدار أكثر من أربعين سنة، جامعا بين التنظير والتربية والتنظيم والقدوة المربية، واللسان الجاهر بالحق، الذي لا يخشى في الله لومة لائم. وقَلَّ مايجتمع هذا كله في شخص واحد.
تتأسس فلسفة التجديد عند الأستاذ عبد السلام ياسين علىى أصول جامعة، نعرض لأهمها كالآتي:
1-القرآن الأصل الجامع
فالله منزل الكتاب، وهو خالق هذا الكون وخالق هذا الانسان بما لديه من قدرات عقلية باهرة، وهو عالم الغيب والشهادة،وهو الذي جعل هذا الكتاب معجزة إلى يوم الدين، وجعله نورا وتبيانا وبرهانا .وجاء هذا الكتاب رحمة بالانسان عندما أراحه من الغيب الذي يعجز عقله عن إدراكه ففصل فيه وأجمل ، كما أرشده إلى أقوم السبل، وأطلق نظره في العلم والإبداع ، وإعجازه في كونه من عند الله لا يستطيع إنس ولا جن أن يأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وكذلك لكونه منبعا متجددا للعلم والحكمة إلى يوم الدين.
يقول رحمه الله:" وما فقد القرآن حيويته الأولى التي دفعت ووجهت أمة القرآن لجلائل الأعمال، إنما خمدت إرادة الجهاد في نفوس أجيال لم ترب على الإيمان فأخلد بها دين الانقياد إلى أرض الخمول. والقرآن لا يزال هو كلمة الله الأخيرة الكاملة للجان والإنسان، تتضمن خير الإنسان والجان دنيا وأخرى، لا تحتاج لزيادة ولا تعديل " [2].
تأسيسا على ذلك، يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين، أن من القرآن الكريم تُستمَدُّ قوة الايمان وعزة الانتماء لهذا الدين ولهذه الأمة، ومنه تستمد الروابط الأساسية لمجتمع العمران الأخوي القائمة على الأخوة والمحبة والرحمة، والفاعلية الفردية والجماعي.
2-الوصل بين القلب والعقل
خلق الله سبحانه هذا الانسان بعقله وقلبه وفطرته وشهواته، وهذا الخلق مركب متكامل متفاعل، وجعل في هذا القلب القابلية التامة لتلقي الإيمان عبر الوحي، وهذا العقل إما أن يعلم هذا العلم الإيماني اليقيني الجامع بين عالمي الغيب والشهادة في تكامل واتساق، ويؤمن به ويتنور بنوره، ويهتدي بهديه فيفتح له مايفتح من خيري الدنيا والآخرة، وإما أن ينقطع عن هذا المدد الإيماني، فيحقق ما قد يحقق من إنجازات متحررا من كل القيود والضوابط، فيَشقى ويُشْقِي.
يقول رحمه الله: " ما أحجم المسلمون الأُول عن الاستدلال والاجتهاد، ولا عطلوا وظيفة من وظائف العقل الواصف المختبر المجرب، بل استعملوه لترسيخ إيمانهم بما ثبت لديهم بشاهد الوحي، يأتي شاهد العقل العلومي ليزكي الشهادة.وسار الفتح القرآني والهدي النبوي بالعقل المسلم أشواطا مدى أربعة قرون، قاد فيها العقل المسلم مسيرة العلوم جنبا إلى جنب مع هداية العلم.ثم أخذ العقل المسلم يغطس في سباته إلى أن أيقظته نهضة أوروبا حين قرع عليه الاستعمار مخدعه" [3] .
3- منهاج عمل لهندسة التربية والتغيير والبناء ( نظرية المنهاج النبوي)
إن أساس المنهاج، التربية وتجديد الإيمان وتجديد الفهم، وهدفه تغيير ما بالنفس نحو الإحسان وما بالأمة نحو الأخوة والعدل والحرية والأخلاق الحسنة، وامتلاك ناصية التقدم في كل المجالات .
هذا المنهاج أمضى فيه الإمام رحمه الله قرابة عشر سنوات إنتاجا وإنضاجا وتطويرا وتأليفا ، حدد فيه الغايات الكبرى والأهداف التفصيلية وأساليب العمل، وجمع سبعا وسبعين من شعب الإيمان في عشر مجموعات سلوكية تغييرية هي الخصال العشر(الصحبة والجماعة والصدق والذكر ..)، كما حدد مبادئ الدعوة وتنظيم العمل. ويروم في نهاية المطاف تحقيق النموذج الإنساني المجسد للرسالة أفرادا وأمة. فالمنهاج إذا هو: " التطبيق العملي المفصل المنظم المتدرج. فما كانت تربية النبي الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه خبط عشواء." [4] كما أنه: " هو منهاج عمل لا منهاج جدل"[5]
4- الجمع بين العلم والإرادة
هذه الإرادة لابد أن تسترشد بالعلم الذي يبين لها مبادئ ومجالات العمل، و مسالك الحركة في الميدان.لقد أولى الإمام رحمه الله لموضوع بعث الإرادة في النفوس وتربية أجيال الأمة على معانيها الإيجابية وربطها بالعلم المنشئ لكل عمل صالح عناية كبيرة، وتحدث عنها في مواضع عديدة من مكتوباته.
يقول رحمه الله: "فقه بلا إرادة خيال وحلم، وإرادة بلا فقه يضم في نظرة واحدة العلم بما أوجب الله وبما سن رسول الله إلى العلم بما خلق الله في الكون وما ابتلى به الناس بعضهم ببعض، توشك أن تؤول إلى تخبط عنيف، موجة عارمة ثم تنكسر، انتفاضة غاضبة تهدم لكن لا تبني، جعجعة ولا طِحْن "[6]
5- التربية أساس البناء
التربية في مشروع الإمام رحمه الله، هي تزكية النفوس باللغة القرآنية، قال تعالى:" قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى، بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ".
ومدار التربية على صفاء القلوب والنفوس من سوء الظن ومن النفاق ومن الكبر والعجب، ومن كل الأخلاق الذميمة وتحليتها بكل الخصال الحسنة المقابلة، ومنها حسن القصد والإخلاص لله تعالى، والحب في الله والبغض في الله، كما أن مدارها على تألق القلوب بالوهج الإيماني المستمر، الدافع إلى الإقبال على الله تعالى بشكل دائم ، وعلى كل عمل صالح بما يتطلبه من فاعلية وإتقان.
6- التحرير الشامل للإنسان
نقصد بالتحرير الشامل للإنسان في أصول العمل عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، تحريره من الخضوع لغير سلطان الله تعالى، وتحريره في الوقت نفسه من الخضوع لسلطان نزواته وشهواته الظالمة والتوسعية والعنصرية والإقصائية، لهذا انتقد الإمام رحمه الله دين الانقياد وذهنية القطيع ونزوة الطغيان بكل أنواعه، وكتب في تسفيهه فقرات طويلة مجملة ومفصلة ، ببيان شاف وتوصيف دقيق في العديد مما كتب.
7- السلمية
إن منهج التجديد في مشروع الإمام ياسين رحمه الله قائم على مسلك سلمي غير عنيف، يقول رحمه الله: "ولا نحب العنف ولا نقول به. ونعوذ بالله العلي العظيم من خصلة العنف وهي خصلة من خصال الجاهلية"[7]، ذلك أن الرفق والتدرج من السمات الأساسية للدعوة التي نظر لها وربى عليها أجيالا.ثم لأن التغيير المنشود في هذه النفس الإنسانية التي عليها مدار كل اهتمام في مسار النهوض والبناء مبني على القابلية والاقتناع، ولا مجال فيه للإكراه أو الإلزام. وكذلك لا سبيل للعنف على مستوى المجتمع الواحد لطبيعة هذا الدين الرحيمة الشفيقة بهذه الأمة ولضرورات النضج والارتقاء في الاحتكام للعقل وسعة الصدر وقبول الاختلاف والتنوع والتعايش.
ثانيا- خصائص التجديد
1-الشمول والتكامل
جاء مشروع الإمام شاملا لمجموع مناحي تجديد الدين، وقد استقى هذه الشمولية من شمول الدين نفسه، لذلك فالإحسان والعدل عنده وجهان لعملة واحدة، يقول رحمه الله: " توج الإحسان العدل وسكن بين ضلوعه"[8]
2- الرفق والتدرج
الرفق بالأنفس مما حث عليه الشرع وندب إليه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع عن شيء إلا شانه"، والتدرج سنة الله في خلقه، لا يكمل أمر ذو بال إلا إذا استوفى حظه من هذه السُّنة حتى لا يتم القفز على المراحل، وتأتي النتائج مشوهة أو منقوصة غير ناضجة، والتدرج لا يعني الاسترخاء وبطء العمل والتهاون في إنجاز المهمات.
3- الربانية
في كل ما كتب الإمام رحمه الله، وفي كل المجالات التي خاضها، تجده دائم الاصطحاب لذكر الله ، ومن العادت التي وسمت مجالسه رحمه الله، تذكير العبد بمصيره يوم القيامة، لأن هذا عنده هو الدواء من كل الأدواء، يقول رحمه الله: " هناك خطر احتواء الموجة الإسلامية بإفساد الرجال،والكيد للحركة،والانحراف بها، ولكن متى كانت التربية إحسانية، وكان الجند وقادة الجند ربانيين، فإن لعبة الاحتواء تنفضح وتنهزم آخر الأمر"[9]
4- الإنصاف
هذه خصيصة مهمة في فحص الوقائع والمعطيات التاريخية، القديم منها والجديد، ويترتب عليها الشهود بحق كل ذي حق، كما تترتب عليها الاستفادة من كل علم نافع، يقول عن التعامل مع تراثنا العلمي، يقول رحمه الله: "نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ، نخاطبه ونحاوره ونسائله وننتقده ونستفيد منه حسب ما نجد عنده أو لا نجد، من خبر أو دراية أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد الموفق المعصوم. "[10]
كما يذكر رحمه الله قوة المجتمع الغربي وحقيقة احتكامهم للديمقراطية التي اتخذناها واجهة مشوهة نغطي بها الوجه الكالح للاستبداد عندنا، يقول:"من مزاياهم الديمقراطية التي تتحول إن استوردناها مهزلة، ومهرجانا فلكلوريا، وتجارة في الأصوات، وتزويرا وغشا...من مزاياهم المجتمع المدني بواقعية أحزابه وتعددها، وبجمعياته الفاعلة، ونقاباته المناضلة، وفضائله الإنسانية التي تسارع إلى الصومال لتطعم جياعنا وتأْسُوَ جراحنا"[11]
5- استقلالية التجديد
تظهر هذه الاستقلالية في كل من الفكر والتربية والتنظيم، وتعني تفرد مشروع الإمام رحمه الله في نسجه وتركيبه وبنيته، من حيث عدم تبعيته لأي مدرسة فكرية أو تربوية أو حركية سابقة، ومن حيث عمله على إخراج العمل الدعوي الحركي في المغرب من دائرة السر إلى العلن، كما جمع بين صفته مفكرا ومنظرا ومربيا وقدوة في الآن نفسه.كما حافظ على استقلالية خطه الدعوي الحركي تجاه الداخل والخارج معا.
ثالثا- مجالات التجديد
وهي مجالات التربية والعلم والسياسة والدعوة والمفاهيم والإدارة الحركية التنظيمية، إضافة إلى مجالات خصها بعناية نوعية، كما فعل رحمه الله مع قضية المرأة .
وستتكلف الورقات العلمية التالية، ببيان كل مجال من هذه المجالات.
والله الموفق والهادي إلى الصواب
[1] - المنهاج النبوي، ص 37
[2] - رجال القومة والاصلاح ص30
[3] - محنة العقل المسلم ص123
[4] - محنة العقل ص33
[5] - محنة العقل ص49.
[6] - تنوير المومنات ج1 ص69
[7] - العدل ص628
[8] - تنوير المومنات ج1ص168
[9] - المنهاج النبوي ص14
[10] - نظرات في الفقه والتاريخ ص20
[11] - محنة العقل المسلم ص106-107
[11] - محنة العقل المسلم ص106-107

















