من خلال متابعتنا لمشروع الدولة في الفقه السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين تبين لنا أنه ينبغي مقاربتها من خلال ثلاثة مستويات: الخلافة، والدولة الإسلامية القطرية، والدولة المدنية، وهو ما يشكل المحاور الثلاث لهذه الدراسة، ومبعث هذا الاختيار اعتقادنا أن كثيرا من الخلل يلحق مجموعة تصورات تقارب مشروع الأستاذ ياسين بسبب المدخل التجزيئي لمقاربة النسق الكلي، أو بسبب تنزيل نتائج تخص مستوى معينا على مستوى آخر مخالف، وهو ما يشكل خللا منهجيا ومعرفيا في مقاربة تنظيراته.
المبحث الأول ـ الأفق الاستراتيجي: خلافة على منهاج النبوة
يمنح الأفق الاستراتيجي وضوح الرؤية للأهداف والغايات الكبرى التي يسعى أي مشروع طموح لتحقيقها، ويرتَّب تبعا لذلك مسار التغيير والإصلاح وفق سلسلة مراحل تشكل فيها نهاية كل مرحلة إعلانا عن ولادة أخرى. وتعد حسب الأستاذ ياسين "الخلافة على منهاج النبوة هي الأفق"، وهو مصطلح ذو بعد تأصيلي لا يمكن التنازل عنه بسبب ما لحق المفهوم اليوم من سوء فهم كبير.
ثلاث خاصيات تميز الخلافة الثانية في نظرية المنهاج:
أ ـ الخاصية الأولى ــ تمايز الخلافة عن الملك: ويترتب على ذلك أن الخلافة انتصار لقيم الشورى والعدل ابتداء، بينما تلحق صفة الملك كل سلطة مستبدة بمعزل عن طبيعة النظام السياسي.
ب ـ الخاصية الثانية ــ تمايز الخلافة عن الدولة القطرية: ويترتب على ذلك استحالة ادعاء إقامة الخلافة ضمن حدود الدولة الوطنية، بل الخلافة حصاد جهاد أجيال تسعى إلى تفتيت الحدود التاريخية والنفسية والجغرافية والذهنية والقومية بينها.
ج ـ الخاصية الثالثة: البعد الإحيائي الإيماني للخلافة: يترتب على ذلك أن غاية التمكين ما ورد في محكم الكتاب: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" [الحج:41]. فالآية تؤكد أمرين: الخلافة تعبير عن سيادة الأمة، وإقامة للدين.
المبحث الثاني ـ الدولة القرآنية في حدودها القُطرية
تعد مسألة الوحدة أم المقاصد والمدخل الشرطي لتحقيق الخلافة على منهاج النبوة، وهو أفق استراتيجي تفتل غزله أجيال من أبناء المسلمين، ويطرح في هذا الباب أولوية التعامل مع الدولة القطرية التي لا ينبغي أن تتعارض لبنات بنائها مع منهاج السنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان.
المطلب الأول: الشورى مفهوم جامع
يمنح مفهوم الشورى في نظرية المنهاج النبوي إجاباته على ثلاثة أسئلة مزمنة في تاريخ المسلمين، وتتمثل في:
سؤال شرعية السلطة: يتعلق السؤال هنا بكيفية استلام الحكم أو شرعية السلطة.سؤال تدبير الحكم: يتعلق السؤال هنا بكيفية بآليات تدبير ممارسة السلطة.سؤال مرجعية الحكم: يتعلق السؤال هنا بحاكمية الكتاب.
المطلب الثاني: العدل والمشاركة الشعبية في البناء
تعد قضية العدل من أهم القضايا المركزية في نظرية المنهاج النبوي؛ والمقصد تحرير المجتمع من الوباءين: الظلم الاجتماعي والظلم السياسي المتلاحمين المتظافرين.
ومن ركائز الدولة الإسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية.
"رد المظالم" من تدبيرات المرحلة الانتقاليةاجتثات الظلم الطبقي:احترام الملكية الفرديةالعدالة الاجتماعية تنمية شاملة التحرر من التبعيةإنتاج الثروة وتحرير المبادرة
المطلب الثالث: الإحسان أو سؤال الغاية من الحكم الإسلامي
ما الذي يحفظ الأمة من أن يتخطفها الاستبداد بعد أن تسقطه؟ ما الذي يحفظ الدعوة من أن تنهار في منعرجات السياسة المتتالية؟ يعول في ذلك ـ بعد الله عز وجل ـ على المجتمع الشوري الذي يشكل قاعدة الحكم الإسلامي، وعلى تبني فصل جديد للسلط يمايز بين مؤسسات الدعوة ومؤسسات الدولة
المبحث الثالث : "الدولة المدنية" والتأسيس للاجتماع السياسي المشترَك
أين يقف الأستاذ عبد السلام ياسين من مشروع الدولة المدنية؟ وكيف يرى فض الإشكال بين التيارين الإسلامي والعلماني؟ لمقاربة المسألة نعالجها من مدخلين محوريين عند الفريقين: سؤال الديمقراطية وسؤال الهوية.
المطلب الأول: الدولة المدنية ومنطق البناء التشاركي
إن السعي إلى تحقيق التواصل والتفاهم بين مختلف مكونات المجتمع حكمتها مبادئ استخلصها الفقه المنهاجي للأستاذ ياسين من النص القرآني، كما أطرها البحث عن حل جماعي لما تعانيه الأمة من تخلف ووهن على مختلف الواجهات، فكانت مقدماته تقوم على:
رفض منطق التكفير: إن الدعوة تبنى على الرفق والرحمة، وقد بين الله عز وجل منهج الدعوة في مثل قوله تعالى: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [سورة النحل: 125].رفض التوسل بالعنف: رفض الأستاذ ياسين تبني العنف مبكرا منهجا للعمل، ولم يتطلب منه الأمر أن يدخل غمار اقتتال داخلي ليعي نتائجه الكارثية فيقوم بمراجعات في بابه. رفض العنف في نظرية المنهاج النبوي رفض مبدئي سواء تعلق الأمر بالتنظيم الإسلامي في مرحلة المعارضة أو بعد إمساكه زمام الحكم.اعتماد آلية الحوار: من بنى فقهه على الدعوة إلى الله بالرفق والرحمة، ورفض التكفير منطقا؛ والعنف وسيلة، كان الحوار جسره للتواصل مع المختلَف معهم.
لا يستعمل الأستاذ ياسين مفهوم "الدولة المدنية" بما أن الدلالات التي يحملها المصطلح الإسلامي تغنيه عن استيراد غيره من المصطلحات، كما أن المفهوم ذاته لا نجده في الفكر السياسي والفقه الدستوري الغربي، وإن كان من دلالاته التي اتخذها الانتصار للآليات الديمقراطية فإن الأستاذ ياسين يرحب بها، ويرى أنها تشكل آليات متميزة لفض الاختلافات بين مكونات المجتمع المتنافرة بشكل سلمي.
و أهم ما يرى عدم تنافره مع مشروع الحركة الإسلامية، والذي بإمكانه أن يشكل أرضية مشتركة بين مختلف مكونات المجتمع:
أ. الانتصار للسيادة الشعبية:
ب. سمو الوثيقة الدستورية:
ج. الانتصار لمفهوم فصل السلط:
د. تبني التعددية السياسية:
ه. ضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان:
لكن حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا لا تقبل بإطلاقية وبدون شروط حسب الأستاذ ياسين، بل يلحقها الرفض على مستويين: المستوى العقدي وذلك برفض اعتبار الإلحاد والدعوة إليه وجهة نظر، والمستوى الأخلاقي برفض الحرية الفسوقية. يجد الديمقراطي اللائكي الجسر مقطوعا مع الإسلاميين في مسألة حدود الحريات الفردية. إن السؤال الأعمق عندها هو حول الهوية المقترحة على الشعب، وهل يعني الانتصار للديمقراطية القبول بفلسفتها اللائكية؟
المطلب الثاني: الدولة المدنية وسؤال الهوية
لا يجوز أن ينسينا الانتصار لقيمة التعددية الانتصار لقيم الوحدة، لذلك وجب نسج معادلة تجمع بينهما. إن كل الأمم تسعى أن تكون تعدديتها ضمن نسق متوافق عليه، فلا تكون حرية في المطلق، ولكن بضوابط دستورية وقانونية متوافق عليها مجتمعيا، ويحرسها المجتمع المدني قبل الدولة. وهذا أمر لا يمكن حسمه في الدول الإسلامية إلا ضمن مرجعية تنال الإجماع حولها، وهل هناك أفضل من الإجماع على الإسلام.
يقترح الأستاذ عبد السلام ياسين أن يكون الإجماع على ميثاق إسلامي تكون من غاياته بناء نسق مجتمعي يحفظ للشعب إيمانه ويحفظه من الاستبداد.
خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة التوقف عند مفهوم الدولة في الفقه السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين من خلال كتاباته التنظيرية المنهاجية، ويمكن إجمال مجموعة خلاصات ختامية:
إن المشروع الفكري للأستاذ عبد السلام ياسين ارتبط بالتأصيل النظري الاجتهادي التجديدي لرسم آفاق دولة القرآن بآليات منهاجية تستقي قوتها بارتكازها على الوحي بمعنييه: القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.تتميز مقاربة الأستاذ عبد السلام ياسين لمسألة الدولة بشموليتها المعرفية، فهي تمزج أسئلة شرعية السلطة، وضمانات استقرارها واستمرارها، وكيفيات تدبير الحكم، وسؤال غائيته. وقوة هذه المقاربة تتأتى من خلال استجماع الأستاذ ياسين لمجموعة شرائط: تربوية، وفقهية، وأصولية، وسياسية، ودستورية، وتاريخية، وحركية.يعد حديث الخلافة على منهاج النبوة حديثا مفصليا لفهم تنظيرات الأستاذ ياسين السياسية، ومع ذلك فلا ينبغي تناسي أن المفهوم لا يتحقق إلا من خلال شروط ثلاثة: شرط المخالفة للملك العاض أو الجبري، وشرط البعد الجغرافي فلا حديث عن الخلافة في الدولة القطرية، وشرط الإحياء الديني للأمة.تتحكم في الدولة القطرية الإسلامية قيم ثلاث مؤطرة ومحددة لغاياتها، وهي: الشورى والعدل والإحسان.تعد الوحدة بين الأقطار الإسلامية المحررة من التبعية للغرب ونير الاستبداد مطلبا عقديا وسياسيا في نظرية المنهاج النبوي، لذلك وجب التحرر الذهني والنفسي من سجن القطرية، والإعداد لغد تلتقي فيه إرادات قادة الأمة في وحدة جامعة.تحضر الدولة المدنية بدلالاتها في الفقه السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين دون حضور المصطلح، والرجل يمنح إجاباته ومواقفه المحدَّدة لإشكالاتها الثلاث: الموقف من الآليات الديمقراطية، وإشكال الحريات الفردية، وسؤال الهوية.النفس الحواري اللاإقصائي، والقبول بالاختلاف، والعمل السلمي، وإدانة العنف، والجدال بالتي هي أحسن... كلها من المفردات التي تشكل ماهية خطاب الأستاذ ياسين في مختلف مكتوباته.توقفنا عند مفهوم الدولة في الفقه السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين، وما ينغي الختم به أن المنهاج النبوي نظرية بنائية متكاملة يتداخل فيها التربوي، والسياسي، والاجتماعي، والاقتصادي... وأن شموليه فقه الرجل تنبئ عنها كثرة مؤلفاته التي تطول مختلف مساحات الفقه الشرعي والفكر الإنساني.
والحمد لله رب العالمين

















