إن الدارس لمجموع كتابات وفكر الشيخ عبد السلام ياسين ليمكنه الوقوف على عدة أبعاد ومكونات لهذا الفكر، تجلي الثراء الذي يتميز به في عطاءاته طيلة أزيد من أربعين عاما، تدرج خلالها فكر الشيخ في عدة معارج وخاض مستويات عدة من القول في التاريخ والفكر والسياسة والاقتصاد والفقه والتربية والتصوف، لكنه ظل من حيث العمق يحافظ على جوهر ثابت، مما يقودنا إلى اعتبار هذا الفكر فكرا نسقيا له مكونات مستقرة يمكن استقراؤها في مختلف الاجتهادات الفكرية التي أثرى بها الشيخ ياسين ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، ولها مخرج أو هدف معين، هو نشدان الخلافة على منهاج النبوة.
ومن الطبيعي أن أي فكر نسقي ـ لكي يتملك هذه الصفة ـ لا بد أن يستكمل مختلف عناصره، ولعل أبرز عنصر من هذه العناصر هو الموقف من التاريخ والتجربة التاريخية كما تمت صياغتها في الوعي الجماعي، وتقديم إسهام فكري يروم إعادة صياغة هذه التجربة في أفق إعادة صياغة الوعي الجماعي ذاته. إن كل مشروع فكري متكامل ـ كما هو الشأن مع الشيخ ياسين ـ هو في أصله اشتغال على النص والتاريخ، وبلورة رؤية معينة تكون نتاج هذا الاشتغال المزدوج، ومن هنا مشروعية تناول ثنائية السلطان(التاريخ) والقرآن(النص) في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين ومفهوم "رؤية العالم" لديه.
ونعني هنا بمفهوم رؤية العالم الرؤية الكلية التي يشكلها الإنسان لنفسه عن العالم المحيط به وعن تاريخه. إنها زاوية النظر التي يتخذها الباحث والنظام الفكري بمكوناته اللغوية وأطره المرجعية الذي يعتمده، أو ما يمكن وصفه
بالرؤية الكونية أو الفكرة الكلية أو الفلسفة العامة أو التفسير الشامل.
ينطلق مشروع عبد السلام ياسين من محاولة تقديم قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي، تشكل أرضية يبني عليها مشروعه النظري، ذلك أن التاريخ في التجربة السياسية للأمة يمثل مسارا متحولا خضع لعدة قراءات من منطلقات متعددة، بحسب زاوية النظر التي يتخذها الباحث وكذا بحسب النتائج التي يرغب في الوصول إليها.
وبين المواقف المؤولة للتاريخ، والمواقف العاطفية التمجيدية، يطرح ياسين مفهوم"التاريخ الحق"، معتبرا أن هذا التاريخ هو الوحيد الكفيل بفتح آفاق الإصلاح، حيث يقول:"إن اتصالنا بتاريخنا الحق هو وحده الكفيل بأن يجعل لنا توترا خلاقا متحررا نحو المستقبل". لكن ما هو هذا"التاريخ الحق"؟، يجب ياسين:"إن تاريخنا الحق هو تاريخ الدعوة الإسلامية، تاريخ تحكم المسلم في التاريخ واستعلائه على الفتنة وعزته بربه".
ومن المفيد القول بأن مفهوم"التاريخ الحق" لدى ياسين يكاد يعني التاريخ الصافي، فهو يتكئ على مقاربة نقدية تروم تصفية تاريخ المسلمين مما علق به من تحولات السلطة المستبدة أو"الملك العاض"، الذي يصبح في إطار الرؤية الياسينية مجرد هوامش على النص الحقيقي للتاريخ، أو"التاريخ الحق". ويمثل الحسم مع هذا التاريخ ـ كما تكرس في الوعي الجمعي للمسلمين ـ شرطا سابقا على مهمة التغيير، فهو يقول:"إن حاضرنا المتعثر هو المجال الكدر الذي يجب علينا أن نصفي فيه نظرتنا إلى تاريخنا الحقيقي، تاريخ الموكب النبوي، ونعبر تاريخ الفتنة لنجدد لأنفسنا إسلاما وإيمانا".
غير أن الرجوع إلى هذا التاريخ الحق للمسلمين، بعد التمييز بين" اللب والجوهر والقشر والأعراض"، لا بد أن يتم عبر العودة إلى النص الأول للمسلمين، أي القرآن، الذي يوفر لياسين الأداة الضرورية للممارسة النقدية على التاريخ والواقع. ففي كتابه"نظرات في الفقه والتاريخ" صغير الحجم ـ والذي نعتقد بأنه كتاب يؤسس للأطروحة النظرية لياسين فيما يخص موضوعنا ـ نجده يفرد فصلا تحت عنوان"القرآن حاكم"، يستهله بالقول:"هم مقيم أن يكون أتى على بعض المنتسبين للعلم حين من الدهر زعموا فيه أن السلامة في الدين لا سبيل إليها إلا بتوقير القرآن توقير هجران، قالوا، وبئس ما يجري التقليد على الألسنة،"القرآن صوابه خطأ وخطأه صواب""(9).
إن نقد التجربة التاريخية للأمة الإسلامية في الفكر الياسيني مهمة مزدوجة، فهو من جهة عملية تفكيك لهذه التجربة التاريخية، وهو من جهة ثانية عملية تركيب جديدة. العملية الأولى تتعلق بالنظر إلى الماضي، والعملية الثانية تتعلق بالتعامل مع الحاضر في أفق التطلع إلى المستقبل، والعمليتان معا هما ما يمنحاننا الرؤية الكلية في الفكر الياسيني، أو ما أطلقنا عليه في بداية هذا البحث تسمية"رؤية العالم".
والنقطة المركزية التي ينطلق منها هذا الفكر لإنجاز مهمة التفكيك هذه هي الحديث النبوي الشهير في الخطاب الياسيني، الذي يشكل في نفس الوقت أساس المشروعية الدينية والسياسية لدى عبد السلام ياسين، والذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت"( رواه الإمام أحمد 4/273).
إن توظيف هذا الحديث المعياري في الفكر الياسيني، في مهمة قراءة تاريخ المسلمين في الماضي، يؤدي دورين اثنين:
ـ الأول دور ديني: ويتمثل في إقامة"الخلافة الوارثة" في المستقبل(14)، ذلك أن الحديث عن تحول الخلافة إلى ملك عضوض ونقد التجربة التاريخية، انطلاقا من هذا المعيار ، هو ما يبرر الحديث عن هذه الخلافة الوارثة التي تتمثل مسؤوليتها في تصحيح وضع تاريخي مقلوب"فلما أصبحت ملكا انقلب الوضع"(15).
ـ الثاني دور سياسي: ويتمثل في نزع المشروعية عن السلطة السياسية في الوقت الحاضر، ذلك أن استمرار النظر إلى التجربة التاريخية كما هي دون نقدها ودون اعتماد المعيار المذكور يقود بالضرورة ـ في الفكر الياسيني ـ إلى إسباغ المشروعية على هذه السلطة السياسية:"ما درينا أننا بإعزازنا للملك العاض الماضي نعز الملك الجبري الحاضر"(16).
وينحت ياسين مصطلحا جديدا هو"الفقه المنهاجي" أو"الفقه الجامع"، وهو فقه له ثلاثة أهداف مجتمعة: الأول هو الجمع بين الدعوة والدولة، والثاني هو توحيد السنة والشيعة، والثالث هو إدماج الفقه والتصوف في إطار"وحدة الشريعة"كما يسميها.
أما ما نقصده بالتركيب فهو يتحقق لدى ياسين عبر هذا الفقه المنهاجي نفسه، وتعد الأهداف الثلاثة المومأ إليها بمثابة تصحيح لثلاث انكسارات حصلت في التاريخ الإسلامي، حسب تشخيص الأستاذ ياسين، هي:
ـ الانكسار التاريخي الأكبر(الانفصام الأعلى): انفصال السلطان عن القرآن.
ـ الانكسار السياسي(الأصغر):الانقسام بين السنة والشيعة
ـ الانكسار المعرفي(الأصغر): الانقسام بين الفقه والتصوف.

















