ملخص البحث: الوحي وفقه التاريخ عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور عبد القادر آيت الغازي

جامعة السلطان المولى سليمان - المغرب

مقدمة:

الدكتور عبد القادر آيت الغازي

تسعى هذه الورقة إلى أن تتناول رؤية الأستاذ عبد السلام ياسين إلى التاريخ، واقتراحه لفهمه وفقهه والوعي به، وهو اقتراح اصطلح على تسميته "القراءة المنهاجية للتاريخ" أو "التصور المنهاجي للتاريخ".

وتنطلق في تناولها لهذا الموضوع من السؤال حول أدوات الفهم، وآليات التحليل التي يعتمدها هذا التصور أو القراءة، وتطرح تساؤلات: ما هي هذه الأدوات والآليات والوسائل؟ وما هي الأسس المنهاجية لقراءة التاريخ عند الأستاذ ياسين، وما مقوماتها؟ ما هي الضوابط الأساسية التي اعتمدها في دراسته للتاريخ؟ وما هي معالم تصوره له؟

تحديدا نتساءل عن مكانة الوحي –قرآنا وحديثا- في التصور المنهاجي للتاريخ، هل يعتبر الوحي جزءا من هذه الأدوات والوسائل والأسس والمقومات والضوابط؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي مختلف الآيات والأحاديث الموجهة لهذا التصور؟

قبل محاولة الجواب على الأسئلة المطروحة، لابد من السؤال أيضا عن ثقافة الرجل التاريخية. وتساؤلنا هذا ليس دفاعا عن مشروعية التناول فحسب، بل وطلبا أيضا لمقدمات نراها ضرورية ومهمة للتمهيد لموضوعنا، فإلى أي حد يصح القول بأن الأستاذ ياسين يتمتع بثقافة تاريخية، وله حس تاريخي؟

الثقافة التاريخية عند الاستاذ عبد السلام ياسين:

مظاهر ثقافة الرجل التاريخية كثيرة، وتجلياتها عديدة، إذ لا يخلو موضع من كتاباته وأحاديثه إلا وفيه إشارة إلى الماضي القريب والبعيد، يتطرق لوقائعه وأحداثه الهامة والمهمة، ويستمد منه الخبرة، ويستخلص منه العظة، ويستنتج قوانين وسننا، ويتخذ منه مددا وسندا لفكره ونظره ورؤيته. كما حاور نظريات تاريخية وانتقد أطروحات، ووجدناه أيضا يلح على التاريخ، وعلى ضرورة الوعي التاريخي، وعلى الحاجة إلى محو الأمية التاريخية عن أمة تريد أن تصحو وتنهض. واعتمد في توسيع ثقافته التاريخية على مصادر تاريخية ومراجع معتمدة.

والرجل في كل مؤلفاته يسائل ويهتم بالتاريخ، ويسأل عن بعض محطاته وأحداثه ليس لذاتها، بل بغرض فقه زمانه وواقعه وتحديد وجهة الإصلاح الذي يدعو إليه، ويعتمد التاريخ ركيزة في مشروعه الفكري الإصلاحي التجديدي، بل وانفرد أمام أساطين التاريخ بنظرته الخاصة للتاريخ التي تشكل إضافة نوعية يمكن استنباطها إما من طريقة تعاطية مع أحداثه ووقائعه وظواهره، أو من طريقة تحليله ومعالجته لبعض قضايا هذا التاريخ، أو من خلال إبدائه لملاحظات أو مبادرته باقتراح بعض المقترحات في منهجية التناول، أو اقتراحه بعض الضوابط الأساسية والقواعد لدراسته. فما هي معالم التجديد في فقه التاريخ أو النظر إليه لدى الأستاذ عبد السلام ياسين؟

عينان على التاريخ: عين مراقبة ... وعين إيمانية غيبية:

يشدد الأستاذ ياسين على أن الرؤية للتاريخ لا يمكن أن تكون مستقيمة وصحيحة وكاملة، والنظرة لا تكون إلا عوراء إن لم تتم وجوبا بعينين؛ واحدة مراقبة، وأخرى إيمانية غيبية، وإن لم تكن شاملة ومتوازنة ومستوعبة لكل العوامل، ولم تكن أيضا جامعة ما بين العقل والقلب. وفي هذا الصدد انتقد مناهج ومدارس اعتبر نظرتها إلى التاريخ قاصرة على اعتبار أنها لا ترى إلا بالعين الواحدة. وفي مقابل ذلك يحدد وسائل لاكتمال النظرة إلى التاريخ وكمالها.

عين واحدة... منهج قاصر:

هنا ينحو الأستاذ ياسين باللائمة على العديد من الاتجاهات الفكرية والمدارس التي تتعامل مع التاريخ، لكن قراءتها قاصرة. ومن بين هذه المدارس مدرستان:

مدرسة التفسير المادي للتاريخ:

يقتصر أصحاب هذه المدرسة في تفسيرهم لأحداث التاريخ ووقائعه على معاني أرضية صرفة. العقلية التي تحتكم إليها مادية ومسلحة بجهاز مفاهيمي يستحضر المعطيات القائمة على الحس والتجربة فقط، مع استبعاد تام لكل ماله علاقة بالغيب.

مدرسة التحليل الغيبي:

يتمادى أصحاب مدرسة التحليل الغيبي في اعتماد الغيب مفسرا للتاريخ، فلا ينظرون في الأسباب الكونية، ولا يستحضرون العلل، والتاريخ -بل وكل شيء- عندهم قضاء وقدر. وقد نتج عنها وعن المنهج الذي تعتمده عقلية خرافية، ونظرة قاصرة هي الأخرى للتاريخ. وقد عمل التصور المنهاجي للتاريخ على تجاوزها أيضا.

أما المؤمن... فينظر في الأسباب الظاهرة:

لا تقف النظرة المنهاجية للتاريخ عند الأحداث والوقائع لتقول بأن التاريخ قضاء وقدر فقط، بل تستحضر في قراءتها وتفسيرها وتحليلها كل الأسباب المادية والعلل، ومختلف العوامل، "أما المؤمن بقضاء الله وقدره فينظر في الأسباب الظاهرة". وإذا حللت الأحداث التاريخية عرضت الدوافع النفسية والسياسية والاقتصادية، وإن عدم استحضار هذه العوامل يعد عيبا كبيرا، والنظرة تكون ناقصة. ويعتبر أي ناظر في التاريخ لا يراعي في تحليله وتفسيره هذه العوامل والدوافع، "تكون نظرته عوراء إن لم يفعل"، وإن لم يعتمد على المنطق والحس والتجربة في تفسيره للظواهر. هذا عن العين الأولى، والضابط الأساس الأول.

لكنه ينظر إلى قدرة الله تعالى وقضائه وتصرفه:

العين الثانية، والضابط الأساس الثاني، الذي لا تتم النظرة/ القراءة المنهاجية للتاريخ إلا به هو "شيء زائد عن المنطق الجدلي والاعتبارات الأرضية"، وهو الغيب. ويعتبر هذا الأخير أداة أخرى وأساسية وضرورية، إلى جانب أدوات التحليل الأخرى، أداة إيمانية لا تستقيم الأداة العلمية إلا بها. وباستحضارنا لعامل الإيمان بالغيب ورجوعنا إلى الوحي مباشرة نستقي منه، يمكن أن ندرس التاريخ.

خاصية القراءة الإيمانية للتاريخ أنها تنطلق من الغيب، الذي أخبر به الوحي، قرآنا أو حديثا، ثم تنطلق تحلل معطيات الواقع بأدوات قرآنية وعيون نبوية.

أما التاريخ ... فبعينين يرصد:

النظرة التاريخية التي لا تنظر إلى التاريخ إلا بعين واحدة نظرة عوراء. وحتى لا تكون "النظرة عوراء"، تسعى القراءة المنهاجية إلى أن تنظر إلى التاريخ بعينين مفتوحتين معا: عين القلب وعين العقل.

النظر بعين مراقبة فاحصة وحدها عوراء لا تكفي، والنظر بعين إيمانية غيبية وحدها عوراء كذلك وغير كافية. لا تستقيم الرؤية إلا بعينين بصيرتين سالمتين متكاملتين متساويتين، "ولا تكون النظرة إلا عوراء إن انغلقت العين المراقبة للكون وأسبابه، وانتصبت العين الإيمانية الغيبية تترجم وتفسر ولا خبر عندها بالعلة والمعلول، كما شاء الله تعالى أن تكون علاقتهما مفهومة عقلا، مترابطة متساوقة".

لتستقيم ... الرؤية:

ما المقصود بالنظر إلى التاريخ من أعاليه؟ لا بد وأن الجواب على هذا السؤال سيحيلنا على نصوص الوحي التي تشكل العمود الفقري في تحليل التاريخ وفقهه عند الأستاذ ياسين.

من أعالي التاريخ:

لتستقيم الرؤية، وتكون النظرة إلى التاريخ منهاجية، لا بد أن تكون هذه النظرة وتلك الرؤية من أعالي التاريخ وليس من أسفله. والمقصود بهذه الآلية التتلمذ للوحي مباشرة، والتلقي عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لفهم التاريخ، أي قراءة الأحداث من خلال التوجيه القرآني والنبوي. ومن هذا المنطلق يصر الأستاذ ياسين في تصوره المنهاجي للتاريخ على ضرورة الرجوع إلى الوحي، والتتلمذ المباشر له، وقراءة التاريخ تحت ضوئه الكاشف. ويشكل هذا الأمر بالنسبة إليه شرطا ضروريا لكي تكون نظرتنا إلى التاريخ من أعاليه وليس من أسافله، وهو أيضا موقف لا بد منه لكي تكون دراستنا للتاريخ وافية، وتحليلنا له كاملا.

وقد جعل الأستاذ ياسين من آيات وأحاديث، دليلا ومرشدا وموجها ومحددا وكاشفا، وأساسا للتأصيل والمرجعية.

نصوص مرشدة وموجهة:

أطلع الله تعالى رسوله على ما سيقع لأمته في مسارها، وقد أخبر بها صلى الله عليه وسلم صحابته في أحاديث كثيرة. وينطلق التصور المنهاجي من هذه الأحاديث النبوية، العمود الفقري لنظرته للتاريخ ولفقهه، كما تشكل النواة الصلبة لغربلة وقراءته، والمصدر الأساس لاستخراج المفاهيم والأدوات الفكرية النسقية لتحليله، وفهم الواقع، واستشراف المستقبل. نورد نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:

النموذج الأول: حديث "الخلافة على منهاج النبوة".

يعتمد الأستاذ ياسين هذا الحديث كثيرا، ولا تكاد أية كتابة من كتاباته تخلو من الإشارة إليه صراحة أو ضمنا. وإزاء الحديث ينظر إلى تاريخ الإسلام والمسلمين عامة على المدى الطويل يمتد على مدى عمر الدعوة الإسلامية من قيامها إلى يوم القيامة. ومن خلاله ينظر إلى المراحل الكبرى لعمر الأمة، كما يحدد اللحظات الكبرى المشكلة للمنعطفات التاريخية الكبرى في تاريخ هذه الأمة، وللمفاصل الكبرى التي على أساسها ينبغي تحقيب هذا التاريخ وتقسيمه، ويرصد دورة نظام الحكم وتقلبه، كما ينطلق من الحديث للتساؤل دائما عن خصائص ومميزات كل مرحلة من هذه المراحل، ويعتمد هذا الحديث للتمييز بين "الخلافة" و"الملك"

ونجد الأستاذ دائم التوقف عند هذا الحديث ليصوغ من خلاله وعي استراتيجي، وليرسم معالم مستقبل الأمة الإسلامية الذي تعتبر الخلافة الثانية على منهاج النبوة غايته واتجاهه.

النموذج الثاني: حديث "لتنقضن عرى الإسلام".

من خلال هذا الحديث وإزاءه يرصد الأستاذ ياسين أصل التحولات الكبرى في تاريخ الأمة وجذورها، كما يرصد مراحل التحول والتدمير في مسار الأمة الإسلامية، ومن خلاله يتساءل عن كيفيات ذلك؛ عن البناء الأول كيف تم؟ وعن انتقاضه كيف انتقض هذا البناء عروة عروة، كما تساءل عن أسباب الانتقاض، وعن كيفية إعادة البناء من جديد.

النموذج الثالث: حديث "رحى الإسلام".

في الحديث إخبار بافتراق القرآن والسلطان، وإشارة إلى انفصام بين الدعوة والدولة بعد ترابطهما، مع تأكيد الوصاية بالعصيان السياسي والتمسك بالشريعة انطلاقا من قاعدة القرآن لا المصلحة المادية والسياسية.

ومن خلاله يرصد الأستاذ ياسين تاريخ العلاقة بين الدعوة والدولة، ويتساءل عن واقعها في مرحلتي النبوة والخلافة، وكيف أصبحت عليه بعد الخلافة الراشدة والانكسار التاريخي، ويتساءل أيضا عن واقع هذه العلاقة اليوم، وعن الأثر التي ترتب عنها على مستوى الفكر والفقه والاجتهاد.

النموذج الرابع: حديث "الخلافة في أمتي".

يضبط الحديث زمن الخلافة بعد النبوة، ويحدده في ثلاثين سنة مضبوطة، وفيه إشارة واضحة على أن مرحلة "الملك" بدأت فعلا مع بني أمية، أي مع توالي معاوية بن أبي سفيان الحكم سنة 41هـ، كما فيه إشارة إلى أن مصطلح "الخلافة" ليس هو مصطلح "الملك" اصطلاحيا وشرعيا وتاريخيا، إذ ميز الصحابة والتابعين بينهما.

ويتكئ الأستاذ ياسين على هذا الحديث أولا، لتحديد الإطار الزماني للخلافة الأولى على منهاج النبوة، والوقوف عند خصائصها ومميزاتها، وثانيا للتأكيد على عدم التساهل في إطلاق لفظ الخلافة لوصف الأسر والدول التي تعاقبت على حكم المسلمين بعد الخلافة الراشدة، مادام الحديث سماها اسما غير اسم الخلافة.

النموذج الخامس: حديث " هلكة أمتي".

في الحديث إشارة إلى ما يشكله انحراف الحكام وفسقهم وفجورهم وجورهم من خطورة كبيرة على الأمة، بحيث أن ذلك هو سبب من أهم الأسباب هلاكها.

إن هذا الحديث شكل بالنسبة للتصور المنهاجي المعتمد في التساؤل عن لحظة بدايات هلاك الأمة بانحراف حكامها، إذ شكل الحديث منطلقا للتساؤل أولا حول مظاهر هذا الهلاك وتجلياته والمتمثلة أساسا في الحرص على الحكم وتوريثه وتغييب الشورى ليحل محلها الإكراه والاستبداد، وثانيا حول مآلات ذلك ونتائجها على مسار الأمة وتاريخها.

تطبيقات الرؤية المنهاجية على التاريخ: الانكسار التاريخي نموذجا:

يركز الأستاذ ياسين في قراءته لتاريخ الإسلام والمسلمين على لحظة الانكسار التاريخي الأول، ويسميه أيضا التفتت التاريخي أو بالانحراف الخطير أو الصدمة القاسية، وهي لحظة حاسمة يراها هي أصل الأزمة في العالم الإسلامي وجذورها، فما المقصود بالانكسار التاريخي، وما دلالاته؟ كيف تعامل الأستاذ ياسين مع هذه المرحلة، وإلى أي حد طبق في دراسته لها منهجه ورؤيته التي اقترحها للتعامل مع التاريخ؟ ما هي أدوات تحليله ووسائل فهمه لأحداث هذه المرحلة، وما الضوابط الأساسية التي اعتمدها؟

الانكسار التاريخي: أصل الأزمة وجذورها:

ارتبطت بداية انشطار الأمة وتقهقرها في مفهوم كثير من المؤرخين وتحاليلهم بمرحلة الامتداد الامبريالي في العالم الإسلامي، وهكذا احتل القرن التاسع عشر للميلاد مكانة بارزة في اهتماماتهم بل إنه استقطب أعمالا تاريخية مهمة كما وكيفا، واجتذبت هذه الحقبة مجهودات استثنائية.

ومن المؤرخين من تجاوزوا جاذبية القرن التاسع عشر وأخذوا يبحثون عن جذور الأزمة في إطار إشكالية التجاوز بين أوربا والعالم الإسلامي، وبين الضفتين الشمالية والجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وخلصوا إلى القول بأن أصل الأزمة يعود –زمانيا- إلى بدايات القرن الخامس عشر للميلاد/9هـ.

يذهب الأستاذ ياسين بعيدا في بحثه عن أصول الأزمة وجذورها، وفي هذا الصدد يعتبر أن من اللحظات الحاسمة التي ينبغي التركيز عليها في قراءتنا لتاريخ المسلمين هي مرحلة الانكسار التاريخي.

الانكسار التاريخي: المقصود والدلالات:

نقصد بالانكسار التاريخي الأول "انكسار الوحدة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وما نتج عن تلك الفتنة المؤلمة من قتال بين الصحابة، وما تلا ذلك من تمزق الجماعة... كان أهم نتيجة لهذه الفتنة تحول من نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض".

أما من حيث الدلالة والمعنى، فقد اعتبره الأستاذ ياسين "حدث محوري في تاريخ الإسلام"، كما اعتبره أحد المفاتيح الأساسية؛ أولا لفهم الحاضر، وثانيا لاستشراف المستقبل.

اتجاهان وضابط أساسي:

بناء على دلالات الانكسار التاريخي ومغزاه بالنسبة للقراءة المنهاجية، كان لهذا الحدث حضور كثيف في كل كتابات الأستاذ ياسين. وأثناء تناوله له انتقد اتجاهين في تعاملهما مع أحداث هذه المرحلة ليحدد فيما بعد ذلك ضابطا أساسيا يؤطر هذا التعامل.

الاتجاه الأول:

ويمثله علماء مسلمين ومفكرين تحاشوا كليا فتح تلك الصفحات. يقول عن هذا الاتجاه: "غيرنا يغض حياء من فتح تلك الصفحات"، ويقول منتقدا: "هكذا أمسك علماؤنا، وأوصوا بالإمساك عن تلك المآسي الدموية".

الاتجاه الثاني:

ويمثله، "... آخرون من حزب الشيطان يثيرون تلك الأخبار لزعزعة المسلمين بإسلامهم وتشكيكهم في قيمته الحق الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم". وقد انتقدهم بشكل كبير في خلفياتهم التي أسسوا عليها اهتمامهم بهذه الحقبة.

الضابط الأساس:

القراءة المنهاجية للتاريخ تسعى وتؤكد على ضرورة الجمع بين واجب الأدب مع الصحابة وضرورة الوقوف عند بداية الانكسار التاريخي بجرأة لإعادة الجبر. نلتزم الأدب عند ذكر الصحابة والحديث عن شخصهم.

وتستحضر أيضا، إلى جانب الأدب الواجب، الجرأة التحليلية عند تناولها لتلك الأحداث، مع الحرص على ذكر الأسماء بمسمياتها.

إذن ضروري أن نرجع إلى هذه المرحلة المهمة جدا في حياة الأمة الإسلامية، لكن بضابط حاسم حتى لا تزيغ الأقدام: تعظيم كامل للصحابة رضي الله عنهم، وشجاعة تامة في تناول مرحلة الفتنة الكبرى وما تلاها من أحداث جسام، إنه الأدب الذي لا يغيب الجرأة، والجرأة التي لا تفقد الأدب.

أدوات تحليل الانكسار التاريخي ووسائل فهمه:

في تحليله ومقاربته لأحداث الفتنة الكبرى، التزم الأستاذ ياسين بالنظرة والرؤية المنهاجية التي يقترحها لتحليل التاريخ بصفة عامة وتاريخ المسلمين بصفة خاصة، حيث تناولها من زاوية تحليل مختلف العوامل والأسباب الأرضية المفسرة لها، متخذا من نصوص الوحي الضوء الكاشف لها.

فمن حيث تحليل مختلف العوامل، يؤكد الأستاذ ياسين: "في التحليل الإيماني لتاريخ الفتنة وانتقاض عروة الحكم في الإسلام، نعزو ما وقع للأمة من تخاذل أمام السلطان إلى الإخلال البشري".

أما من حيث النصوص التي اعتمدها ووضعها مكان الضوء الكاشف لهذه الأحداث، فقد جعل الأستاذ ياسين حديث الخلافة على منهاج النبوة دليلا فيقول: "نتخذ هذا الحديث الجليل وأمثاله دليلا لمعرفة الانحراف التاريخي الذي حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا". ويقصد بأمثاله أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش"، و"الخلافة في أمتى ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك".

خاتمة:

نخلص إلى القول بأن الأستاذ عبد السلام ياسين قارئ مثابر للتاريخ، وعالم منخرط في تفاصيله، قرأ أحداثه قراءة واقعية، لكن من أعاليه وإزاء القرآن والسنة، منبها إلى مضار التعامل معه من أسافله بصورة أرضية ميتة لا حياة لها. ومن هذه المرتفعات علل عناصره وأسبابه ماضيا، وتفقه به حاضرا، واستشرف أبعاده مستقبلا.

وقد حاولت هذه الورقة أن تتسلق هذه المرتفعات لتكشف مكانة الوحي -نصوصا قرآنية وحديثية وسنة الله- وأهميتها للتصور المنهاجي للتاريخ، محاولة الوقوف أيضا على معالم هذا التصور وقواعده وأساساته ومرتكزاته، وخلصت إلى ما يلي:

قراءة التاريخ ضرورية وواجبة، بحيث إن القراءة التاريخية –في نظر الأستاذ ياسين- أساس كل مشروع تغييري، وبواسطتها يتم تشخيص واقع الأمة، ومعرفة مؤهلاتها الذاتية لاستثمارها في عملية البناء.

من خصوصيات الأمة الاسلامية أنها أخبرت سلفا –وبالوحي- بمراحل تاريخها وعقبات مسيرتها ومآلها في آخر المطاف.

في الكتاب والسنة مفاتيح لتفسير التاريخ وتحليله، لذا يقرأ بأدوات قرآنية وعيون نبوية.

وصلى الله وسلم وبارك على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه وحزبه وإخوانه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.