ملخص البحث


الدكتور محمد محمود كالو

أكاديمية الأندلس - الإمارات

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

فإذا كان القرآن الكريم يشكِّل أفضل منهج لصناعة القدوات، فإن من المهم أن نفهم المنهج القرآني من خلال ممثليه الذين طبّقوه ووعوه، ولما كان الأستاذ عبد السلام ياسين قرآني القلب والعقل والمنطق، كان يحتفي بالقرآن الكريم أيَّما احتفاء، ويجعله مناط السيادة، ويردد كثيراً في مؤلفاته عبارة:"دولة القرآن" فيقول: "في دولة القرآن يجب أن يسود القرآن سيادة مطلقة. مَن لا يدخل تحت لوائه فذلك فرقان ما بيننا وبينه ".

والقرآنُ يُرينا أن قضية تطور المجتمع يعتمد على مسألة تواصل العملية الإصلاحية، وما لم يكن هناك مصلحون يمارسون التوجيه ، فإن تراكم الأخطاء ينذر بتعرض المجتمع لأزمات تؤدي به إلى الهلاك.

ولكي تكون العملية الإصلاحية صحيحة لابد أن تستند إلى مجموعة من المبادئ، منها مبدأ الرفق واللين، وثقافة اللاعنف، وهو مبدأ حث الله تعالى نبيَّه عليه، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾.

وهو المنهج الذي سار عليه الأستاذ عبد السلام واتخذه مبدأ مهماً في الدعوة والإصلاح فقال: "شرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في كل فرد بالدعوة الحكيمة والرفق الحاني والمحبة والإيناس" فبالرفق واللين يكون تغيير الواقع لا بالعنف؛ لأن العنف يهدم ولا يبني، ولا يغير العنف إلا المظاهر والهياكل النخرة".

ويقول أيضاً: "لا نحب العنف ولا نقول به. ونعوذ بالله العلي العظيم من خصلة العنف، وهي ملمح من ملامح الجاهلية، ولازمة من لوازمها، ومعنى من معانيها"

ويضيف بأن التهييج والعنف، لن تؤدي إلى بناء حالة ترضي. لأن العنف يهدم. وقد يخر البناء الهرم كله على رأس الكل في فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة".

وسيعرض الباحث منهج الأستاذ ياسين، ومبدأه في الدعوة بالرفق واللين، بعد هذه المقدمة في مبحثين وخاتمة.

المبحث الأول: مركزية القرآن في فكر الأستاذ ياسين

لقد كانت مركزية القرآن في فكر الأستاذ ياسين هي البوصلة في التعامل مع التراث، وهذا يقود إلى محاولة وزن التراث وما أنتجه العقل الإسلامي بميزانه، وذلك لضبط تلك العلوم بالبوصلة القرآنية.

قال الأستاذ ياسين: "كان القرآن مصدر العلم للجيل القرآني، يعلمون أنه العروة الوثقى، به يستمسكون، والهدى منه يلتمسون ".

فالمركزية للقرآن الكريم، والسنة مبيِّنة لأنها المنهاج، "قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "المنهاج ما جاءت به السنة" والذي جاءت به السنة، تطبيقاً للقرآن وتحكيماً له، الحكم بالشورى والعدل والإحسان، بها أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبها أُمرْنا معهم، وخصصت أجيالنا الصالحة ـ إن شاء الله ـ ببشرى الخلافة الثانية على منهاج النبوة " .

ولكي نبني الأمة على منهاج القرآن والسنة لا بد من الصبر الطويل، يقول الأستاذ ياسين: " لكن القرآن والسنة يدلاّنِنا قبل كل شيء على الصبر الطويل لبناء الأمة، لإعادة بنائها على المنهاج النبوي وإقامة الخلافة الموعودة".

المبحث الثاني: الأساس القرآني لثقافة اللاعنف في نظرية المنهاج النبوي

وفي ضوء المركزية القرآنية اتخذ الأستاذ ياسين مبدأ الرفق واللين ونبذ العنف أساساً في الدعوة إلى الإسلام، فكتبه طافحة بحديثه عن اللاعنف والتغيير السلمي والتعامل مع الآخرين بالرفق واللين، وعدم تنفير المخالفين بالعنف.

وذلك لأن القرآن حثَّ على اعتماد الرفق خياراً مبدئياً في نهج الدعوة إلى الاِسلام، يقول الأستاذ ياسين: إن الرفق هو المنهاج الإسلامي، "فليكن الرفقُ سِمَتُنا الواضحة، وشارتنا البائحة"،"ولنمارس وظيفتنا الدعوية بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن" .

وما أعظم خطاب الله عز وجل لكليمه موسى وأخيه هارون عليهما السلام في قوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

وقال تعالى مخاطباً نبيَّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾.

فلولا هذا اللين الذي اعتمده الرسول مع من أُرسل اليهم؛ لما تمكن من استقطاب الناس حول رسالته، لذلكيقول الأستاذ ياسين: "قومة الداعي تبتدِئ بقومة الرسول في قومه، يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف".

ذلك لأن العنف لا يثمر استقطاب الناس حول ذلك الحق وإن كان أبلجاً، بل سيعمل على النفور.

ولهذا نصح الأستاذ ياسين أتباعه أن يكون خطابهم للناس بالتي هي أحسن كي يصلوا إلى غايتهم وتلبى دعوتهم فقال: " قولوا للناس حسناً يسمع قولكم وتلبَّ دعوتكم " .

والمقصود باللين هنا السهولة من غير ذلة ولا مهانة، " فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل، ورسوله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الذلة والقلة. لكن الموطأون أكنافاً الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ و(على) حرف استعلاء، فالمؤمن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم؛ يعطي من نفسه عن طوع لا عن إكراه.

وهذا ما استنتجه الأستاذ من الآية ونصح به فقال:" كلا والله ما أنزل الله علينا آيات الرأفة والرحمة واللين، وما قبّح لنا الفظاظة وغِلظَ القلب إلا لنتخلَّق بالجميل ونتحلى، ولنتطهر من القبيح ونتخلى".

ومن آيات الرفق واللين في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَستَوي الحَسنَةُ وَلا السّيّئةُ ادفَعْ بالَّتي هِي أحسَنُ فإذا الذِي بَينَكَ وَبينَهُ عَداوةٌ كأنَّهُ وَليٌ حَمِيمٌ﴾

وكان الأستاذ ياسين يدفع بالتي هي أحسن ويحث أتباعه على ذلك قائلاً: " اتخذوا هذا الإعجاب الذي يبديه الطلبة المضللون وأساتذتهم وصحفهم بالإسلام وقوته المنبعثة قنطرة لتفهيم الإسلام، بالرفق والزورة والجلسة والبسمة والخدمة والكلمة الطيبة".

ويبشر الأستاذ طلبته بأنهم إن فعلوا ذلك فسيقطفون ثمار عملهم الحسن، حينما يدفعون بالتي هي أحسن.

ختاماً

يرى الباحث أن من حقوق علمائنا علينا، أن نعنى بتراثهم خدمة وجمعاً وإخراجاً، وأن نبذل الجهد والوقت والمال كي ينتفع بها الناس.

ومن النتائج التي توصل إليها الباحث:

1 ـ أن البوصلة في فكر الأستاذ ياسين كانت مركزية القرآن الكريم ، والسنة مبينة لأنها المنهاج، ويبشَّر بخلافة على منهاج النبوة بعد عصور العض والجبر.

2 ـ أن الأستاذ ياسين اتخذ مبدأ الرفق واللين ونبذ العنف أساساً في الدعوة إلى الإسلام، لأن الإسلام يدعو إلى خفض الجناح للمؤمنين رفقاً بهم وتواضعاً لهم.

3 ـ أن الأستاذ ياسين كان يكره العنف، بل يتعوذ بالله منه، ويحث أتباعه على الرفق واللين والدفع بالتي هي أحسن حتى يصير كأنه وليٌّ حميم.