عالج الأستاذ عبد السلام ياسين مفهوم دولة القرآن في نظرية المنهاج النبوي ضمن مشروع ضخم، سطره منذ أزيد من ثلاثة عقود، ليكون سبيلا للعمل، تتأسس وفق هذه النظرية دولة القرآن وتتحقق في ظلها غايتا "العدل" و"الإحسان". ولا يتم ذلك إلا باجتهاد وتجديد يتوافق مع زماننا وظروفنا.
لكن، ما السبيل الكفيل لأن تصير دولة القرآن مشروعا قائما في واقعنا؟ وما هي مقومات نجاحها؟ وكيف تؤدي مهامها؟ وما التحديات التي تنتظرها؟.
إن الإجابة عن هذه الإشكالات المركزية لمقاربة المفهوم استدعت من الباحث تناول الموضوع انطلاقا من منهج استقرائي تحليلي يقتضي استقراء النصوص الواردة في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، والتي تجيب عن إشكالات الموضوع وتؤسس للمفهوم، ثم تحليل هذه النصوص ومناقشتها في ضوء نظرية المنهاج النبوي.
المبحث الأول: مكانة دولة القرآن في نظرية المنهاج النبوي:
وفيه بينت أن هذه المكانة تنبع من:
1. بشارة القرآن نفسه، وأن جهود جند الله لإقامة دولة القرآن على حاملين رئيسيين: التربية الإيمانية، والحكمة التنظيمية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "فنحتاج لوضوح خط الجهاد الذي ينتظرنا، ونحتاج لتربية الإيمان وتنظيم الإرادة الإيمانية في الأمة. نحتاج إلى قيادات مؤمنة وعلم تربوي، وحكمة تنظيمية، لكي لا تذهب جهودنا في فوضى ردود الفعل الموقوتة الانفجارية أمام تحرك الأعداء "[5].
2. تجاوز دولة القرآن لأزمة الحكم. وقد وضّحت هذا انطلاقا من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث انتقاض عرى الإسلام، والمدخل لهذا التجاوز في نظرية المنهاج النبوي هو القومة، ويقصد بها الأستاذ عبد السلام ياسين الانتقال "من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام، وإلى مكانة العزة بالله ورسوله"[6]. ويقترح بعد نجاحها أن تتألف جماعة المسلمين من كتيبتين رئيسيتين:
3. دعوة تتمثل في مؤسسات ورجال مهمتهم تربية الأمة ومراقبة التطبيق. ولها الهيمنة على مصير الأمور وعلى الرجال.
4. دولة تتمثل في مؤسسات ورجال وأجهزة وإدارات تسير الشؤون المادية والنظامية والاقتصادية. وهي تحت مراقبة وتوجيه الدعوة ورجالها.
المبحث الثاني: غاية دولة القرآن في نظرية المنهاج النبوي:
وفيه بينت أن الغاية الأولى هي تحرير الإنسان، والمقصود بالإنسان المسلم وغيره ممن تجمعنا بهم رحم الأخوة الآدمية. وهذا التحرير يكون بتبليغ رسالة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم إليه، حتى يعي حقيقته ويرقي فطرته من إسلام إلى إيمان فإحسان، وبإعداد النموذج التنموي الناجح. وذلك بتحصيل العلوم الكونية وتطويرها، لتصير خدمة لغايات دولة القرآن وأهدافها.
والغاية الثانية هي إقامة الدين بمبدأي الشورى والعدل، ولإقامة العدل لا بد من سند الأسوة، وهو الاقتداء بهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، و سند الشعب، وذلك بالكينونة معه وحمل همومه.
المبحث الثالث: تحديات أمام دولة القرآن
وأهم هذه التحديات:
1. الذهنية الرعوية، وتتمثل هذه العقبة في كونها "عقبة نفسية ذهنية اجتماعية سياسية، وهي كون شعوبنا لما تصل بعد إلى تطلبها، لن تكون لها إلا تحت لواء الإسلام وقد نشأت هذه الذهنية وترعرعت عبر قرون من الاستبداد عاشت الأمة تحت وطأته، كما أن داءه قد نخر في جسمها وأفرز عددا من المظاهر.
2. المستفيدون من الفساد، متمثلة في خلايا الفساد القاطنة بأرضنا، أو ما يسمون اليوم بالمستفيدين من الفساد، وهم الذين لا يجدون مصلحة في التغيير، بل يعتبرون أن مصالحهم المادية تصبح مهددة، لذا فهم لا يألون جهدا لمقاومة التغيير.
3. والاقتصاد، وهذه من أشد العقبات صعوبة، نظرا لارتباطها بمعيشة الناس، وكسبهم اليومي، وبالتالي فإن قياس نجاح التجربة الإسلامية لدى العامة يكون من هذا المنطلق، فالعدل في القسمة، وتشجيع الإنتاج، ومواجهة الاستكبار العالمي يحتاج إلى زمن، ولما يقوي جند الله أركان دولة القرآن.
المبحث الرابع: مقومات نجاح دولة القرآن، وهي:
فرقان القرآن: إن ما يهدد دولة القرآن، الابتعاد عن هداية القرآن، ومعنى اتخاذ القرآن فرقانا، "أن يسود القرآن سيادة مطلقة. من لا يدخل تحت لوائه فذلك فرقان ما بيننا وبينه"[7] مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" (الفرقان : 01).برهان القرآن: قال الله تعالى في محكم كتابه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا" (النساء : 174). ومعنى كون القرآن برهانا، "أن كلام الله هو المرجع، به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته"[8].
3. إحسان القرآن: إن الخطاب القرآني يتجه إلى جوهر الإنسان الذي يسميه قلبا. يقول الله تعالى : "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" (ق:37)، فالمخاطب هنا الإنسان، والدعوة إليه أن ينفتح قلبه فيستمع إلى نداء ربه ويتذكر، فالعقل الفطري الذي تفتح فسمع بسماع القلب، وآمن بإيمانه، يسبق إليه تعظيم المتكلم بالقرآن، وتصديق المبلغ للقرآن، فيهتدي"[9]، لكن هذا العقل التائه لا يقابل في ظل دولة القرآن بالإكراه، بل يراود بالإقناع. "وبالإقناع الدعوي فقط يمكن للعقل أن ينتقل هذه النقلة. الإقناع الدعوي يبدأ بصحبة في الله"[10] .
نتائج البحث:
1. مشروع دولة القرآن، حل للداء العضال الذي عانت منه الأمة؛ وهو فساد الحكم.
2. تحقيق بشارة دولة القرآن في حاجة إلى دعامتين أساسيتين؛ التربية الإيمانية، والتنظيم الجهادي. تكون التربية عماد تهيئة جند الله للجهاد في سبيله.
3. كما أن دولة القرآن تسعى لغايتين اثنتين، هما:
الأولى إقامة الدين، بمبدأي العدل والشورى، وتجدر الإشارة إلى أن العدل في دولة القرآن قائم على سندين؛ الأول التأسي بمنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني الشعب، الذي يسهر جند الله على تربيته وتعليمه وتربيته على مجابهة الباطل.
والثانية تحرير الإنسان، بتبليغ رسالة الله له، وتقديم النموذج العملي الناجح بين يديه.
ولا بد لجند الله من توازن في الرؤية، تأخذ في الاعتبار قدر الله تعالى. المتصرف في ملكه، وشرع الله سبحانه. المكلف به الإنسان بسبب تقصيره. وعلى جند الله التحلي بخلق القرآن وفرقانه وبرهانه وإحسانه. فهي مقومات نجاح مشروع دولة القرآن.

















