تقديم:
لقد سعى الأستاذ عبد السلام ياسين إلى بلورة مشروع تجديد الإسلام الذي ينطوي على إنقاذ الفرد وإنقاذ الأمة. ولأن مشروع التجديد الإسلامي يعنى بالإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وبمأساة أمة الإسلام التي تكابد أهوال الاستبداد الداخلي والاستكبار الخارجي، فقد حظيت مسألة حقوق الإنسان باهتمام وعناية الأستاذ ياسين الذي اجتهد في تأسيس تصور دقيق المبنى، عميق المعنى، مستمد استمداد تلمذة من الشرعة القرآنية والمنهاج النبوي. ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ . ( المائدة: 50)
ويعنينا هنا أن نبسط هذه المسألة الفكرية السياسية، عبر تحديد أهم الأسس المعرفية والمنهجية. وستكون إشكالية بحثنا في هذا الصدد كما يلي: ما هي المقدمات والأسس التي بنى عليها الأستاذ ياسين تصوره للإنسان وحقوقه وحرياته؟ وكيف أنجز عملية التأصيل العلمي القرآني والنبوي للمفاهيم الرئيسة؟ وما هي معالم فقهه الاجتهادي في تنزيل شرعة حقوق الإنسان؟
ولمعالجة هذا الإشكال، اخترنا أن نقدم ثلاثة مباحث تنطوي على مطالب محددة كما يلي:
التأصيل القرآني والنبوي لحقوق الإنسان:
تكريم الإنسان:
"إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا. لنا في الموضوع أصالَةُ شَرْعِنَا، لا ننقل نقل البليد من ألواح غيرنا ولا نتنازل عما رسمته شريعتنا."[1] فمن أكبر التحديات الماثلة أمام كلمة الإسلام اليوم وغدا: كيف نحقق التكريم القرآني للإنسان ونتقيد بحدود الشريعة، ومع هذا وإلى جانبه نلتقط بيد الحكمة فوائد من تجارب الأمم في حفظ كرامة الإنسان ورعاية حقوقه؟
أي إنسان؟ وأية حقوق؟
بمعيار القرآن، وبمشكاة السنة، نبصر حقيقة الإنسان القادم من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، المنتقل بعد حين إلى الدار الآخرة ليدرك حقيقة عمله وإنجازه. وبمعيار الوحي، يضع الأستاذ ياسين معالم النظرة إلى الإنسان الذي يسعى جاهدا لنيل حقوقه والاستمتاع بحرياته لأن "الحديث عن حقوق الإنسان دون الدخول في البحث عن نفسية الإنسان الذي يطالب بالحقوق، والإنسان الذي يستبد ويحرم الناس من حقوقهم، إنما هو التفاف والتفات عما يؤَصل داء السَّكِزُفْرِنيا في الرأس، ومرض التشاكُس في العقل، ووباء الظلم الاجتماعي، والفساد الخلقي، وسائر العاهات السياسية الاقتصادية العقَدِيّة." [2]
الحق الأسمى: العبودية لله عز وجل
يتعين أن نجعل حق الإنسان في معرفة الله عز وجل على رأس قائمة الحقوق الإنسانية التي يكون مطلب تحقيقها وحمايتها جزءاً أصيلا من الدين الحق الذي بعث الله الرسل عليهم السلام من أجل تبليغه إلى الناس كافة. "رأس حقوق الإنسان عندنا، وأم الحريات، ومنبع الكرامة، تحرير الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له." [3]
سياق الشورى:
لا يقبل نظام الشورى كبائر الإثم والفواحش، أي الحق في الفجور والفسق، وهي الإباحية الصائلة اليوم في دنيا الناس. ولا يقبل القهر والخضوع، أي سلب الحقوق والحريات. بل ينتصر المؤمنون للحرية والعدل ويجاهدون البغي وأهل البغي. ولا يقبل سوء توزيع الثروات الذي بموجبه يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. بل يحث على الإنفاق الواسع ليكون المجتمع مجتمع رحمة وأخوة وبذل.
ولا يقبل الإلحاد، أي الحق في ترويج العقيدة الدهرية في مجتمع يؤمن بالله واليوم الآخر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. "وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ." (الجاثية:24)
مقدمات لحوار هادئ حول حقوق الإنسان:
النسق الفكري والسياسي لحقوق الإنسان:
يقرر الأستاذ عبد السلام ياسين حقيقة ترابط مفهوم حقوق الإنسان مع مفاهيم غربية مركزية في المنظومة الفكرية والسياسية مثل الديمقراطية ودولة القانون وسيادة الشعب والعقد الاجتماعي والمجتمع المدني والمواطنة. وبهذا تدخل حقوق الإنسان ضمن ما يسميه "المساق الديمقراطي"، فلا يتأتى النظر إلى المفهوم ولا فهمه إلا ضمن مساق مترابط العناصر والمقومات.
ما هو الدين؟ ما هو الإسلام؟
ليس الدين "رليجيون" religion كما يفهمه كثير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين ممن تعلموا المفاهيم وتلقوا التصورات عن الفكر الجاهلي، الجاهل لقيمة الإنسان، ومهمة الإنسان، والغاية من وجود الإنسان.
ألا وإن "الإسلام اعتراف بالقلب واعتقاد، ووفاء بالعمل، واستسلام لما أمر الله به ورسوله."[4] ومما أمر به الله ورسوله أداء الحقوق ورعايتها حفاظا على الكرامة الآدمية التي أحاطها الإسلام بسياج قوي لا يجوز لأحد انتهاكه ولا العبث به. قال الله سبحانه: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا". (الإسراء: 70)
القراءة التاريخية: معالم اغتصاب الحقوق
في المشروع التجديدي الذي بناه الأستاذ عبد السلام ياسين، نجد الربط جليا بين اجتهاد أهل الدعوة وجهادهم لبناء دولة القرآن وما يستلزمه كل ذلك من تقديم تصور واضح لمسألة الحقوق والحريات من جهة، وبين القراءة التاريخية لمسيرة الأمة الإسلامية وفق إخبار النبوة الذي نجده في حديث الخلافة على منهاج النبوة.
هي مراحل لمسيرة طويلة ميزتها وقائع الانكسار التاريخي الذي مس الحكم الإسلامي في زمن مبكر، بل نقض الحكم وأسسه وقيمه الرئيسة: الشورى والعدل والإحسان، فانتقل أمر الأمة من خلافة تسير على منهاج النبوة إلى ملك عاض وجبري يغتصب الحقوق ويسلب الحريات.
فقه تنزيل شرعة حقوق الإنسان:
اجتهاد علمي وجهاد عملي :
إن النظر الاجتهادي المتحرر من اعتماد مقاييس التراث الفقهي العظيم سيمكننا من الاتصال بالوحي مباشرة لنجتهد لمشاكل وتحديات حاضرنا ومستقبلنا. كما أن النظر الاجتهادي المتحرر من قيود الفكر الغربي اللائيكي سيجعلنا قادرين على التفكير والعمل انطلاقاً من ذاتيتنا وأصالتنا. ومع الاجتهاد العلمي يقترن الجهاد العملي استجابة لداعي الله، من داخل أقطار المسلمين وأقفاصهم القومية العشائرية التائقةِ نُخَبُها لديمقراطية محررة. استجابة لداعي: «وأن هذه أمتكم أمة واحدة». استجابة توحيد وتوَحُّد ليجتمع شمل الأمة فتقوى على مواجهة التحديات المصيرية الكبرى.
المروءة والدين: حلف الفضول
من المفاتيح الضرورية لتنزيل مشروع التجديد المنهاجي، وفي القلب منه مسألة الحقوق والحريات، تأسيس جسور للتفاهم والتواصل والتعاون بين الإسلاميين وغيرهم من الفضلاء الذين يحملون هم إخراج الأمة من دائرة الاستبداد السياسي، والفساد الاقتصادي والخلقي، والتفكك الاجتماعي، وهدر الحقوق، واغتصاب الحريات.
شريعة التدرج والرفق
من شريعتنا التدرج في معالجة الأمور والقضايا. ولذلك كانت خصلة التؤدة من أهم خصال النبوّة، وكانت سنةُ النبيئين وسنة من يتبعهم بإحسان إلى يوم الدين هي الأسوة الكاملة مصداقا لقوله تعالى: "ولقد كُذِّبَتْ رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله." ( الأنعام: 34)
لا يستطيع أهل الدعوة أن يرفعوا أوزار الحيف والظلم والبغي عن رقاب الناس إن لم يتحلوا بخصال الصبر والأناة والرفق التي هي قبس من نور النبوة. فعلى منهاج النبوة وخصاله وشعبه يتأتى لحملة رسالة الإسلام أن يلجوا ميدان حقوق الإنسان ولوج الصابرين المحتسبين القاصدين. والله ولي المؤمنين.
خاتمة:
اشتملت على بعض الخلاصات المستنتجة من دراسة مسألة حقوق الإنسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، كما استطعنا بفضل الله تعالى أن نحدد بعض المبادئ التي نراها صالحة لتكون نواة لميثاق إسلامي دولي حول هذه الحقوق يوم يجلس الإسلاميون والفضلاء إلى مائدة الحوار والتقارب خدمة للإنسانية كلها، وتحقيقا لمجتمع الأخوة الإنسانية، وإرساء لدعائم العدل والحرية والرحمة.

















