الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، قال تعالى في محكم كتابه المبين : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [1]، وبعيداً عن أقوال المفسرين في معنى الحكمة فإنني عندما عرضتها على نظرية المنهاج عند الأستاذ المرشد ياسين، وجدت أنه يُطلق الحكمة على القدرة العقلية لمعرفة ما تأمر به الشريعة[2]، وهذا بدوره يقودني إلى ترجيح أنه لا يمكن أن يكون المقصود من " الحكمة " السنة النبوية، والتي رجّحها غالبية المفسرين، وعليه يكون تفسير" الحكمة " في الآية هو : الكيفية أو الطريقة التي تترجم بها القواعد العظيمة المرسيّة في الكتاب، والتي جاءت لخدمة البشرية، سواء كانت هذه القواعد مباشرة أو تحتاج إلى إعمال الفكر والعقل لاستخراجها وتطبيقها بحسب الزمان والمكان المناسبين، أي علم أصول الفقه .
وفي عصرنا الحديث يمكن اعتبار الأستاذ مجدّدا في الاجتهاد الأصولي وإن كان لم يحصل به الاهتمام الكافي بعد، فهو من المجددين الذين يبعثهم الله تعالى على رأس كل مائة كما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم [3]، لذا نجد أن هرم الحكمة عند الأستاذ كان في تجديد كامل لأصول الاجتهاد، واضعاً القرآن الكريم كمركز في إحداث هذا التغيير، فشكّلت اجتهاداته الحلقة المحورية والقاعدة الأساسية في بناء الحركة الإسلامية المعاصرة، فاجتهاده عبارة عن إعادة عرض السيرة النبوية من خلال اكتشاف معنى ""المنهاج النبوي"" ، ولا أعني هنا الكتاب بحد ذاته، إنما في مجمل ما كتب نجد أنه جعل المنهاج النبوي قاعدة يبنى عليها علم له أصول وقواعد ثابتة، ومقاصد حاكمة، ليتشكل المعنى العلمي المرتبط بالعمل[4].
ومن الأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي المعاصر، اعتبار الاجتهاد خاصاً بعملية استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، وهو فهم يعرض الواقع المرير الذي أصاب العقل المسلم، وكان سبباً في حجب محاولات أكابر الأمة للخروج بهذا العقل لينظر من خلال الوعي الأصولي المقاصدي الجامع، وليس من خلال هيمنة الدليل الجزئي والفرعي، الذي كثيرا ما يسجن عملية التفكير بين الحلال والحرام، علماً بأن عملية التفكير متحركة ضمن مجال أكبر وأوسع ، لأنها منتظمة بحقيقة الوحي ومعناه وبمعنى السيرة النبوية على اعتبار أن الكل حركة واحدة كلية في الواقع التاريخي والإنساني .
ومن أوضح الأمثلة التي يمكن بها تفسير ما سبق، هو العمل الذي قام به إمام الأصول وصاحب الرسالة الإمام الشافعي – رحمه الله - عند انتباهه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يدبّ في عمل العقل المسلم عند تعامله مع الواقع من خلال النصوص بطريقة تسيء للوحي، فقام بجهد أصولي كبير استحق به أن يعتبر مجدّدا في بابه، إذ أعاد عرض الأصول بطريقة تمنح للعالم منهجية واضحة في الكشف عن مقصود الشارع ، ولو نُظر إلى عمل الإمام من خلال نظام تفكير يراهن على الوعي الأصولي المقاصدي ابتداء، لعُلِم أنّ حاجة الأمة اليوم كامنةٌ بالأولى،في ضرورة بناء صرح الأصول وعرضها عرضا يمكّن من بناء نظام تفكير متكامل على الطريقة النبوية، يوظف عملية الاجتهاد الفرعي في مكانها المناسب وبالحكمة اللازمة بما يجيب عن حاجات العصر، أي بجملة واحدة : تطوير المنهجية الأصولية بطريقة كلية جامعة.
انطلق الأستاذ من تجديده في الأصول من كون الضعف الحاصل في الاجتهاد الأصولي مبنيا على الضعف في معرفة المقاصد وتحديد أولويات هذه المقاصد، فهو ينقض الترتيب المقاصدي في الضروريات وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وزاد بعضهم حفظ العرض، فيرى الأستاذ أن هذا التصنيف يغيب عنه الترتيب النوعي بين الوسائل والأهداف الدنيوية، وبين الغاية الأخروية، وفيه اختلال كبير بكل مقاصد الشرع، ولئن نجح المجتهدون السابقون في الترتيب السابق في مجتمع كان متشبعاً بمعرفة الله تعالى وبالآخرة، فإن المجتهدين في يومنا يجب أن يصنفوا المقاصد بصفتها مطالب لها أولوياتها لتوفير الضروريات البدنية والنفسية والاجتماعية للناس حتى يتفرغوا للجهاد وللغاية التي من أجلها خلقوا، لذا وجب أن يكون في هذا الزمن وجود الجماعة المؤمنة من أولى المقاصد، وعلى رأس الضروريات ومنطلقاً للتجديد الأصولي الذي يهدف بجملته إقامة الخلافة الثانية بإذن الله تعالى[5].
والفهم السابق يستنبطه الأستاذ من كتاب الشاطبي حيث يقول : "" والمقاصد التي ينظر فيها قسمان : أحدهما يرجع إلى قصد الشارع والآخر يرجع إلى قصد المكلف، "" [6]، فمسؤولية الفرد في النهاية هي المعتبرة، لأنه يأتي يأتي ربه يوم القيامة فردا، لكن الجماعة المسلمة هي التي عليها مسؤولية مسؤولية الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لهذا الزمان، وعليه لا يستطيع المكلف الفرد أن يعيش محافظاً على دينه ونفسه وعقله ونسله وماله إلا بوجود هذه الجماعة فيكون .
وبعد تحديد أهم المقاصد وهي تكوين الجماعة مهّد لها بوضع الدستور عبر نظرية ""المنهاج النبوي "" عرض من خلاله عشر خصال هي: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد.... وسبعا وسبعين شعبة موزعة على هذه الخصال بحيث مجموع الشعب المندرجة تحت الخصلة تكوّن مضمونها العلمي والعملي السلوكي في أبعاده الفردية والجماعية.
وبهذا يكون قد أسس قاعدة علمية صلبة يكون الانطلاق منها عبر سلوك تربوي نبوي موفقا وصوابا، بحيث يحقق مقاصد الشارع عند إنجاز الأعمال بكل مستوياتها، وهو ما يعني الاتباع الكامل للسنة النبوية، فمن المعلوم أن السيرة النبوية هي التجلي العملي للقرآن الكريم، حيث كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلقه القرآن؛ وبهذا الاجتهاد الكبير في عرض السيرة النبوية من حيث هي علم ومنهاج أصبح لدينا تجديد كلي لعلم السيرة النبوية، بحيث يتم تجاوز واقع البعثرة والجزئية والفقه التجزيئي إلى واقع الجمع والكلية والفقه الجامع، وبذلك، فنحن أمام علم له رجاله وقواعده ومضمونه ومقاصده، لاشك أن له الأثر الجوهري في فتح آفاق كبيرة وعظيمة لإعادة بناء الأمة على الطريقة النبوية.
إن التخلص من قبضة المنهجية الأصولية التقليدية في صياغة نظام التفكير، مع الانتباه إلى أهميتها في الاجتهاد الفروعي، جعل الأستاذ متحررا في عرض الأصول، وبهذا الاجتهاد تمكن من فتح آفاق هامة للتجديد في كل العلوم، على رأسها "علم أصول الفقه"، كما أن الاجتهاد الأصولي لا يعني تغييرها أو الاجتهاد مع وجود النص، لكن الأمر يتعلق بطريقة اكتشاف هذه الأصول وعرضها بما يجعلها الوسيلة الكبرى والكلية في بناء نظام التفكير وقاعدة الاجتهاد الفروعي المستقيم والحكيم، وبهذ يكون الاجتهاد في الأصول عملية كبرى تتوخى اكتشافها على صورتها المتكاملة الدائرة على الوحي جملة، وعرضها عرضا يكشف حقيقة السيرة النبوية باعتبارها الترجمان لذلك الوحي وباعتبارها واقعا منجمعا وليس أجزاء من الأخبار مبعثرة هنا وهناك في المصنفات والأذهان.
وإذا ما تم استيعاب هذا العرض، سيظهر أن كل طرائق استنباط الأحكام العملية الشرعية من أدلتها التفصيلية مستوعبة عبر عملية نقدية، من خلال إعمال المجموع القرآني النبوي الذي يشكل عصب ""علم المنهاج النبوي"."
وبهذا يكون المنهاج النبوي اجتهادا في الزمان والمكان للجواب عن قضايا اللحظة في علاقتها الوطيدة والمباشرة بأفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة، الذي يشكل نظاما إنسانيا بالدرجة الأولى عامرا بقيم الإسلام لتكريم الإنسان .
فالاجتهاد لأجل اكتشاف هذه القواعد على الصورة المطلوبة والقائمة واقعا زمن النموذجية النبوية، والاجتهاد لعرضها عرضا مناسبا للزمان والمكان دون إغفال البعد المستقبلي بنظام الخلافة الثانية على منهاج النبوة لا يعني أن في هذه الأصول ما هو ثابت وما هو متغير، بل المتغير ليس في ""علم المنهاج النبوي"" بما هو عرض تجديدي لعلم السيرة النبوية من حيث هي حركة الوحي في الواقع الإنساني بكل مستوياته، لكن المتغير حسب حاجة الزمان والمكان هي طريقة عرضها وما يمكن أن يستنبط من أحكام ومواقف.[7].
ومن هذا المنطلق انتبه الأستاذ إلى أهمية التمييز بين العلم والعمل في عملية الاجتهاد، فميز بين الاجتهاد الأصولي والاجتهاد بالأصول، وهذه نقطة غاية في الأهمية غابت عن الكثيرين من مفكري الأمة، وعلى ضوء ما سبق قسّم الاجتهاد إلى ثلاثة أقسام هي :
1- ما جاء فيه نص صريح وفَعَلَهُ أو أمرَ به أو أقرَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فلا مجال هنا للاجتهاد إلا من حيثُ تطبيقُ النص على واقع تغيَّرت ظروفه عن شكل الحياة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
2- ما لم يجئ به نص خاص:
فالاجتهاد في هذه الحالة يكون في إدراج الحَدَثِ تحت النصوص الكلية العامة.
3- ما وردت فيه نصوص متعددة متناقضة في ظاهرها، أو خفية المقصود:
فالاجتهاد في هذه الحالة يكون في التثبت من صحة النصوص، ومعرفةِ تاريخ الحوادث من حيث السابق واللاحق، والناسخ والمنسوخ.
ففيما فيه نص صريح لا بد للعقل أن يكتشف المواصفات الشرعية المشتركة مع تغير الظروف التي يجعلها مشابهة للحالات التي طبق فيها النبي صلى الله عليه وسلم الحكم، بشرط معرفة تحقق مناط الحكم فيها، وأما فيما لم يرِدْ فيه نص خاص فمجالُ العقل أوسعُ وأبعدُ مدى [8].
فالاجتهاد في الأصول عملية تفكير كبرى تنجز عمليتين؛ الأولى هي الكشف عن الأصول، والثانية عرض هذه الأصول عرضا منظماً واضحاً للفهم السليم والعقل المستقيم، وهو ما ينجز نظام تفكير متكاملاً مؤهلاً للتصدي للقضايا الكبرى والمصيرية في حياة الفرد والجماعة والأمة والإنسانية، وفق فقه جامع يدقق مصالح كل مستوى من هذه المستويات الأربع، ويمكّن بكفاءة علمية حكيمة من الترجيح بينها عند التعارض العملي، ولا يمكن الحكم على سداد رأي المجتهدين إلا بعد رؤية نتائج اجتهاداتهم 2.
وأما الاجتهاد بالأصول فهي تتكون من عمليتين[9]:
الأولى: وهي صناعة نظام تفكير كلي أصولي مقاصدي في الاجتهاد من خلال الاجتهاد في صناعة هذا النوع من التفكير، مشروعا مجتمعيا متكاملا مكونا من مشاريع تغطي جميع مجالات الحياة التربوية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والاقتصادية والمالية، ونظام عادل في العلاقات الدولية.وغير ذلك، في اتجاه إنجاز المجتمع القادر على حمل ثقل الرسالة القرآنية النبوية .
والثانية: هي الاجتهاد الفروعي المتعلق باستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، وهذا النوع نجد أن الأستاذ وإن لم يتفرّغ له كثيرا ، فإن حركة الاجتهاد الفروعي تجد معناها العلمي والعملي تحقيقا لمقاصد الشارع من شرعه من خلال الوعي بها، وهي مرتبطة تماما بطبيعة الاجتهاد في الأصول، أي أن الاجتهاد الفروعي من حيث المنهج والحكم والموقف راجع إلى الصورة التي تم بها نظام التفكير الكلي بناء على الحلقة الأولى، وعدم الانتباه إلى هذه الحقيقة له آثار كارثية على الحركة الإسلامية في كل الأزمنة؛ من الخوارج إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومثال ذلك في أيامنا ، نجده عند كثير من الحركات الإسلامية فالآية عندهم معكوسة، بحيث عوض الدخول عبر الاجتهاد في الأصول للتصدي لقضايا العصر حين يتمكن الفرد والجماعة من التحقق من نظام تفكير كلي وجامع ينظم عملية استنباط الأحكام واتخاذ المواقف واقتراح المشاريع، نجد العرض يحصل بطريقة مقلوبة، تؤدي حتما إلى بعثرة شديدة واضطراب مهول في الفهوم والسلوكات وغموض كثيف في فهم المستقبل.
والظاهرة واضحة عند ما يسمى بالتيار السلفي، إذ يركز على العرض والدعوة من خلال الحكم الجزئي أو الموقف الجزئي، وهو ما يفضي به حتما إلى استدعاء أحكام ومواقف جزئية سابقة في التاريخ مظروفة بزمانها، كمواقف ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما، رحم الله الجميع، حيث لم يستفد من يدافعون عن اجتهاداتهم الفرعية في زماننا من طريقته في بناء نظام تفكيرهم الأصولي المقاصدي، واكتفوا غالباً، بنقل اجتهاداتهم الجزئية المظروفة بزمانها ومكانها ليعمموها اليوم على الأمة، مع تطوير الجانب الفرعي منها، للتصدي لقضايا معاصرة نظرا لعدم تمكنهم- أقصد علماء اليوم - من مخاطبة الواقع، وهو ما شكل بعامل التربية والتعليم على هذا المستوى نظام تفكير منحبسا وراء كم هائل من الأحكام الجاهزة والمواقف السابقة؛ فكان ضيقا وردة فعل، مما سجن بَعْدُ العقلَ المسلم وإبداعاته ضمن منهجية جزئية فرعية، هذا عوض أن ينتبهوا إلى أن المطلوب ليس تكرار أحكام ومواقف الرجال بقدر ما المطلوب تعلم كيفيات بناء نظام تفكير أرحب وأوسع، وفق مزاولة الاجتهاد في الأصول بوعي قاصد كما هو الحال مع جميع كبار الأمة.
وأخيراً : ما أحوجنا في هذا العصر إلى من يرجع هذا الدين إلى وسطيته التي أنزل عليها، بعد أن أصبح يتنازعه تيار يصر على التشدد في الالتزام بالنصوص وآخر ينادي بتقديم العقل عليها، فجاءت نظرية الأستاذ لتردنا إلى منبع المنهاج النبوي الأصيل فتعرض النصوص على النوازل، بفهم عميق للظروف التي وردت فيها وتأمل طويل لمناط الأحكام، فتأتي النتيجة أقرب ما تكون لما يريده الشارع الحكيم .

















