ملخص البحث: مراجعة التراث الأصولي والمقصدي في ضوء الكليات القرآنية عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور محماد رفيع

جامعة محمد بن عبد الله - المغرب

يروم هذا البحث تفصيل القول في مراجعة الأستاذ ياسين للدرس المقصدي والأصولي سواء من حيث المداخل المنهجية لهذه المراجعة أو من حيث موضوعاتها وقضاياها، فجاءت معالجته التفصيلية كالتالي:

الأصول المنهجية لمراجعة التراث المقصدي والأصولي عند الأستاذ ياسين

أصل تحكيم القرآن في مراجعة التراث الأصولي

تبرز مركزية القرآن في مراجعة الأستاذ للتراث الأصولي في أمرين:

أ- تقرير مبدأ الاحتكام للقرآن في كل شيء من حيث هو متفرع عن أصل الإيمان به ولازم من لوازمه، وأن المانع من الاحتكام للقرآن عائقان وجب التحرر منهما: الكفر والتقليد.

ب- تحكيم الكليات القرآنية : التمس الأستاذ ياسين من القرآن الكريم كليات معيارية تستجيب لمطالب القرآن التي يراها غائبة في واقع الأمة المسلمة واختفت في وقت مبكر من تاريخها، ومطلوبة لمستقبلها، وهي كليات ثلاث: العدل والإحسان والشورى.

أصل مراجعة التراث في سياقه التاريخي:

اتخذ الأستاذ ياسين حدث الانقلاب الأموي على الحكم الإسلامي وما تلا ذلك من أحداث عظام مرتكزا منهجيا يميز به بين طبيعة الاجتهاد الأصولي زمن الخلافة الراشدة القائمة على العدل والشورى وبيعة الاختيار، وبين عهد الملك العاض القائم على عصبية السيف والإكراه وبدعة الوراثة في الحكم، وذلك لما لهذا الحدث من أثر في التحولات العامة في الأمة وفي الجانب المعرفي خصوصا.

أصل اعتبار حال الزمان وأهله:

ومقتضى القول بمراعاة الواقع وظروفه الانطلاق من إشكالاته وأسئلته في النظر إلى تراث السلف، فدعا الأستاذ إلى النظر هذا التراث من زاوية واقعنا وظروفنا.

موضوعات المراجعة للتراث المقصدي والأصولي عند الأستاذ ياسين

يمكن تصنيف موضوعات المراجعة إلى موضوعات فلسفية مقاصدية، وأخرى منهجية أصولية.

أولا: مراجعات على مستوى الدرس المقاصدي:

1) المراجعة النظرية للدرس المقاصدي : وقد تناول فيها جملة قضايا منها:

مراجعة مبدأ التعليل المصلحي للشريعة: يرى الأستاذ ياسين أن نفي التعليل المصلحي عن الشريعة ينافي أصل الاجتهاد في الشريعة، ويمنع مقتضى التجديد في فروعها وكلياتها، كما أن القول بالتعليل في الشريعة لا ينافي التعبد بمعناه الواسع بل يندرج تحته، ومن مقتضاه اعتماد أصل التعليل المصلحي في إدخال تصرفات الناس في كنف الشريعة إحلالا للحق محل الباطل، لكن المصلحة العظمى الناظمة لما سواها في نظر الأستاذ هي مصلحة الآخرة.مراجعة ترتيب المقاصد: انطلاقا من طبيعة البناء الترتيبي لمقاصد الشريعة وبالنظر إلى مقتضى واقع حال الأمة اقترح الأستاذ أن ترتب المقاصد الكبرى ترتيبا أولويا كالتالي:

المقصد الأسمى: فالمقصد الأسمى الذي ينبغي إعلاؤه وجعله ينتظم ما سواه " هو أن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة في الأرض، وهو ما يمكن الخلق من معرفة الله وعبادته.

- مقصد وحدة الأمة:

الداعي إلى ضرورة هذه الوحدة ورفعها إلى مصاف الأولوية المقاصدية العظمى عند الأستاذ حال واقع الأمة الممزق ثقافيا والمشتت جغرافيا المستباح دوليا، وهو حال يختلف عن حال الأمة يوم تحدث علماؤنا عن المقاصد دون أن يلحوا على مقصد الوحدة.

مراجعة صيغة المقاصد:كان التعبير عن مقاصد الشريعة بصيغة الحفظ مناسبا لزمن كان فيه ما يحفظ، لكن واقع الأمة الآن ضاع فيه الكثير مما كان يحرص العلماء على حفظه، فيلزم التعبير بصيغة الطلب بدلا من صيغة الحفظ: طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان.

- قصد الشارع وقصد المكلف:

تدرج الأستاذ في قراءته لقصود المكلفين في ضوء قصد الشارع إلى مصب العمل ومحل الإشكال، وهو كيف يتحرر الإنسان من داعية هواه لينتقل من دائرة العبودية الاضطرارية إلى فضاء العبودية الاختيارية، ومسلك تحرير المكلف من داعية هواه يبدأ من تمكينه من ضروريات المعاش حتى لا تفتنه عن طلب الآخرة.

2) المراجعة التطبيقية للدرس المقاصدي:

أعمل الأستاذ نظره المقاصدي في تجديد قضايا فقهية عملية حيوية كثيرة منها:

تقصيد الزكاة: بربطها بتحقيق مقاصدها الأصلية والتبعية لينتفع معطي الزكاة إحسانا وشرائح المجتمع المستضعفة عدلا اجتماعيا، وتقوية اقتصاد الأمة بتمويل مشاريع تنموية كبيرة عدلا اقتصاديا.

تقصيد المال: وذلك بتحديد علاقة الإنسان فردا ومجتمعا بالمال علاقة استخلاف مطلوب من الأمة وانتفاع مشروط للفرد ألا يضر بمصلحة أمته، وكل ذلك متفرع عن الملكية الأصلية لله تعالى.

ثانيا: مراجعات على مستوى الدرس الأصولي

1) تثمين تراث علم أصول الفقه:

اعتبر الأستاذ ما أثله أهل الأصول حصادا مباركا أنفس ما فيه علم أصول الفقه، وهو علم الاجتهاد، وضابطه، لذلك اعتبره أساسا علميا وجب التسليم بما تقرر من أصوله القطعية للبناء عليها.

2) مراجعة أصل الاجتهاد:

تشكل مراجعة الأستاذ للاجتهاد في مجموعها صياغة جديدة معاصرة لمؤسسة الاجتهاد تقوى بها على الإجابة عن أسئلة الزمن وتحديات المستقبل.

أ‌- مراجعة الاجتهاد في منهجه:الاجتهاد الأصولي قائم في مجمله على النظر الجزئي في استنباطاته الجزئية لأسئلة جزئية نابعة مما عاشه الناس من إسلام فردي قرونا، لذلك وجب إتمام الاجتهاد في نظر الأستاذ باعتماد النظر الكلي لداعيين: داعي الواقع الذي تغيرت فيه مناطات الأحكام، وداعي الشرع إلى استئناف الاجتهاد فيما نص عليه إجمالا لبيان تفاصيله.

ب – مراجعة الاجتهاد في أصوله: تسلم لأستاذ الأصول العليا للاجتهاد، ودعا إلى تجديد النظر للشريعة نصا ومصلحة، ولمواصفات المجتهد.

ج- مراجعة الاجتهاد في شروطه: بإظهار ما كان مضمرا كالشرط التربوي الإيماني، وإتمام الشروط المعرفية بالمعرفة بكليات الشريعة ومصيرها في الواقع،وإضافة شرط الانخراط في الدعوة إلى الله، وشرط الحرية.

د- مراجعة الاجتهاد في صيغته: وذلك بالانتقال من الصيغة التجزيئية إلى الصيغة الجماعية.

ه- مراجعة الاجتهاد في علوم المناط: ذلك أن تعقد المناطات المعاصرة تقتضي استدعاء علوما متنوعة ومتكاملة لتحقيقها إلى جانب العلوم الشرعية.

و- مراجعة الاجتهاد في مراحله: وهي مرحلة الاجتهاد الكلي قبل بناء دولة القرآن وسيادة الشريعة ومرحلة الاجتهاد التفصيلي بعد البناء.

ز- مراجعة الاجتهاد في علاقته بالجهاد: وهي علاقة تكامل: فالجهاد حارس تنقيذي والاجتهاد حاكم تشريعي.

ح- عوائق الاجتهاد المعاصر: هما عائق التقليد المنافي للاجتهاد، وعائق التسيب والجرأة على الشريعة ممن لا يؤمنون بها.

خاتمة:

ضمنها أهم النتائج منها:

- حكم الأستاذ في مراجعاته للتراث الأصولي ثلاث كليات قرآنية هي الشورى والعدل والإحسان.

- حدث الانكسار التاريخي فاصل حاسم بين مرحلتين في تاريخ الاجتهاد، مرحلة الاجتهاد الكلي، ومرحلة الاجتهاد الجزئي.

- أعاد الأستاذ ياسين النظر في ترتيب مقاصد الشريعة في ضوء واقع الأمة، فجعل التمكين للدين كله المقصد الأسمى ، ووحدة الأمة أم المقاصد الآن.

- اعتبر الأستاذ التراث الأصولي صادرا عن منهج جزئي فرضه السياق التاريخي، ينبغي تجاوزه إلى المنهج الكلي ليقوى على استنباط الأحكام الكلية.

والحمد لله رب العالمين