إن اكتشاف القواعد والأصول التي ينبني عليها "المنهاج العلمي في التفسير" لدى الأستاذ عبد السلام ياسين يعتبر مدخلا أساسا لفهم المشروع التجديدي للأستاذ في مجموعه. هذه القواعد والأصول تجعل القرآن في متناول العاملين للإسلام والسالكين على مدارج الإيمان والإحسان، وذلك عبر الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها خصوصيات المرحلة التي تمر منها الأمة. وهذا يحفظ التفسير من اجترار التراث ويحصنه ضد الاختراق من طرف المنهجيات استشراقية.
والمنهاج العلمي هو طريقة في البحث و"في النقد، والملاحظة، والتحليل، والتركيب، والاختبار" ينبني على "عقلية صانعة منظمة دقيقة". و"المنهاج العلمي في التفسير" هو ما تعلق من هذه المنهجية العامة بمجال النص القرآني قواعدَ وأصولا. ولم يخصص الأستاذ ياسين مؤلفا للتفسير أو لأصوله وقواعده، ولهذا اعتمدنا منهجيةً وصفيةً تحليليةً من خلال تتبع أعماله الكاملة بحثا عن تفاسير الآيات المبثوثة فيها، لاستخلاص أصولها وقواعدها ثم تصنيفها وترتيبها.
ويتدرج موقف الأستاذ ياسين من علم التفسير كما هو موروث ، عبر ثلاث مواقف على سلم واحد صاعد، خطورة خطوة في غير تحامل ولا جمود، وهي الاحترام والتوظيف ثم التجاوز.
فــــــ"الاحترام" هو تفادي التحامل على المجتهدين الأوائل، وتثمين جهودهم. و"التوظيف" هو وضع أعمال العلماء السابقين في نسق تصوري يخدم متطلبات الأمة للنهوض والتجديد. و"التجاوز" هو اقتراح اتجاه تليد في النظر في القرآن، يختلف عن الموروث بحيث يجعله مصدرا للفقه الجامع عوض الاحتياجات الفروعية الجزئية واستنباطه خادما لتجديد الدين والإيمان.
وأما بخصوص الماديين، فيشبه ذ. ياسين أسلوبهم في توظيف أدواتهم المعرفية لفهم القرآن بموقف المنكرين الأولين تجاه القرآن: رفض الاستماع له وإغلاق الآذان واستغشاء الثياب. وذلك أنهم تعترضهم عقبتان: العجمة اللسانية والعجمة القلبية. ويرى أن هذه المنهجيات، بسبب هذا الموقف القَبْلِيِّ الـمُنكِر، تصبح خادمة لإنكارها عبر التشكيك وتعويم المعاني، أو "اللاأدرية المطلقة"، حتى تستطيع خدمة إيديولوجياتها وإعطائها قبولا عبر البحث لها عن مرتكز من داخل القرآن.
قواعد وأصول التفسير في المنهاج العلمي
تهتم الأصول بالمصادر الكلية للتفسير والشروط المنهجية والمقاصد الجامعة له. وأما القواعد فتهتم بترجمة الأصول إلى أسلوب عند المفسر بمثابة الخيط الرابط بين النص القرآني وبين الإنسان والواقع.
القسم الأول: أصول التفسير
أولا: الفصاحة اللغوية : ويعني إتقان قواعد اللسان العربي حسب معهود العرب عند نزول القرآن وهو الأصل الأم.
ثانيا: الفصاحة القلبية : من خلال تحقيق الإيمان في القلب والتدرج في سلم الإحسان، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالتقوى وصدق التوجه إلى الله سبحانه وموالاته، وهو ثاني أهم أصل من أصول التفسير وشرط للتفسير.
ثالثا: النبوة مفتاح للقرآن : كَوْنُ النبوة مفتاح للقرآن يتجاوز توظيف الأحاديث الصحيحة التي ورد فيها تفسير لآية إلى أفق أشمل، بحيث يكون سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مصدرا لقراءة القرآن، وذلك لأن القرآن "روح من الله إلى رسول الله"[10].
رابعا: التجديد هو مقصد النظر في القرآن : إن مناط النظر المنهاجي في القرآن هو التجديد الأعظم للدين وللإيمان بقصد إعادة بناء الأمة على نفس الأسس الكبرى التي بنيت عليها خلال فترة "الشاهد التاريخي: السنة النبوية والخلافة الأولى".
القسم الثاني: قواعد التفسير
أولا: غاية التدبر تحقيقُ الإيمان : إن لتدبر القرآن غاية واضحة هي تحرير القلب من أقفاله وتحقيق الإيمان. وهذا يقتضي أنْ توازي التدبرَ ""مجالسةُ المؤمنين"" والصحبةُ ليعطي ثماره.
ثانيا: الآيات المنزلات منظار إلى آيات الآفاق : المؤمن ""يتدبر آيات الله التي يُظهرها في الآفاق والأنفس على ضوء الآيات التي أنزلها بالحق"" . أي أن المؤمن في تدبره يقرأ المجريات الدنيوية على ضوء الآيات المنزلات القرآنية.
ثالثا: ارتباط آيات القرآن ببعضها : إن تدبر القرآن لا يكتمل إلا بالنظر فيما بين آياته من ارتباط (أنظر النموذجين التفسيريين). ذلك أن ذ. ياسين يرى أن ""الذهنية الذرية"" التي ""لا تنظر إلى ما في أمور الشريعة والحياة من ارتباط"" تظل عاجزة عن تصور متكامل للقضايا والتداخل الحاصل بينها وتنوع الواقع بخصوصها.
رابعا: التدبر يكون بنية التنفيذ : فالتدبر ليس عملية نظرية معزولة عن الواقع. حيث يقول: ""القراءة المتدبرة لكتاب الله كفيلة بإنارة طريقنا إذا كان دافعنا إليها همُّ المعرفة والعمل وليْسَ الفُضول القاعد"" .
نماذج تفسيرية
أولا: الجاهلية : قام الأستاذ ياسين أولا بالبحث في الجذور اللغوية للكلمة في معهود العرب، ليخلص إلى أن ""كلمة "جاهلية" تحتوي معنيين: الجهل ضد العلم، والجهل ضد الحِلْم. هي إذن جهل وعنف."" وبعد ذلك قام بتتبع ورود الكلمة في القرآن الكريم، ليسند ""المدلولَ اللغَويَّ للفظ "جاهلية" إلى مدلوله الشرعي كما دلت عليه آيات أربع من كتاب الله عز وجل تُحيط بالمفهوم وتُجليه"" . هذه الخصائص الأربع هي: الظن والحكم والتبرج والحمية.
ثانيا: القومة : قام الأستاذ ياسين بمسح واسع لورود الكلمة في القرآن واستعمالاتها. يقول: ""تلك سنة ماضية نعرفها من سيَر الرسل عليهم السلام كما قال الله تعالى عن عبده محمد صلى الله عليه وسلم: " ﴿ وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَداً﴾ " (الجن:19) (...). لِبَداً: أي متلبِّدين مُتَمالِئين على المقاومة والعِداء"" . فلغة، تعكس القومة تعرض دعوة القائم لمقاومة جماعية من طرف الأعداء. ثم يتتبع الآيات ليصنف القومة إلى الأصناف التالية: قومة الداعي، وقومة الشاهد، وقومة إلى الصلاة، وقومة الإحسان، وإقامة حدود الله، وإقامة الوحدة، مستمدا كل معنى من القرآن عبر ربطه بنور النبوة.
خاتمة
لقد رأينا كيف أن المنهاج العلمي في التفسير، على مستوى الأصول، يولي الأهمية القصوى لفصاحتي اللسان والقلب جاعلا كليهما شرطين للنظر في الوحي، وكيف يجعل الفهم والتطبيق النبويين مفتاحا لتنزيل الحكم القرآني، وكيف أنه يجعل له مقصدا واضحا هو قراءة القرآن بنية تجديدية للإيمان وللدين لنقل الأمة من الفتنة والتشتت إلى حالة تصبح فيها أمةً حاملة للرسالة. ورأينا كيف أنه يوظف قواعد في التدبر تدور حول جعل القرآن مصدرا للإمداد الإيماني للفرد والجماعة، وجعل النظر في كتاب الكون محكوما بروح الكتاب المكنون، وجعل النظر في القرآن كليا جامعا يأخذ بعين الاعتبار الترابط بين معانيه، والتعامل مع القرآن على أن آياته معان ممكنة التطبيق وقابلة للترجمة إلى حياة.
ونوصي بالاهتمام بفهرسة الأعمال التفسيرية للأستاذ عبد السلام ياسين، وليشمل العمل أيضا الجوانب المتعلقة بالأصول والقواعد لفهم القرآن والسنة النبوية واستنباط الأحكام منهما.
والحمد لله رب العالمين.
[9] إمامة الأمة – ف 9 – أصول الاجتهاد .

















