ما من شك في أن دراسة المنهاج النبوي الذي هو التطبيق العملي للمبادئ القرآنية، هو الطريق الأوحد والأمثل الذي يختصر لنا المسافات في طريق الإصلاح في كل مجالات الحياة. هذه الحقيقة كانت محط اهتمام بالغ من الأستاذ عبدالسلام ياسين، ومحور دوران لفكره الإصلاحي ومشروعه التغييري، الذي يستأهل –بحق- كل عناية بالدراسة والتحليل.
وقد انطلقت فكرة هذه الدراسة من مضمون المحور الثالث: [القرآن الكريم مصدرا للمعرفة في نظرية المنهاج النبوي]، لتتناول جانب المعرفة الفقهية في نظرية المنهاج واستمدادها من القرآن الكريم توجيها وتأصيلا، ومن السنة تطبيقا وتنزيلا. ولم تستوعب هذه الدراسة كل ما يتصل بالمعرفة الفقهية، وإنما ركزت على الفكر الفقهي، ولأنّ ما دوّنه الأستاذ ياسين من فكر فقهي كثير، فقد تحتم التركيز على ما يُعدّ إضافة للمعرفة الفقهية مما له أبعاد تجديدية.
ويظهر -جليا- اهتمام الأستاذ ياسين بالمعرفة الفقهية ودورها في الإصلاح، من خلال جولاته الكثيرة في النقد والتوجيه لمسار الفقه في الماضي والحاضر، وخصوصا الفقه السياسي، أين انتقد (الفتاوى السلطانية)، ووصف الفقه بالتفتت والتجزئة والانحسار، كما تحدث عن التقليد والاجتهاد، وعاب على العقل الفقهي كلالته وانشطاره بين التقليد للرموز السالفة وللأشكال القديمة، وبين المنكرين للسنة الزاعمين الاكتفاء بالقرآن، المائلين مع الحداثة والتغريب والعلمانية. وبنى على هذا ضرورة بعث مشروع إحيائي تجديدي تُرسى قواعده ""على مكين الكتاب والسنة، لأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل"" .
تخضع المعرفة الفقهية لمعيارية القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا يمكن أن تنفك عن الإطار المعرفي الذي يرسمه القرآن، ومن هنا يدرك الأستاذ ياسين –بوعي تام- القيمة العليا للمحاولات الاجتهادية التي خلفها لنا السلف الصالح، فهي ""تجارب فيها ما هو حريّ بإثراء تجربتنا، وتقويم محاولاتنا، وتوجيه اجتهادنا إن نحن وضعناها جميعا أمام القرآن والقرآن يحكم، نفحصها على ضوئه، في نشوئها وتسلسلها، وتعاقب أشكالها ومناهجها، وتأثرها بحركة الحياة العامة وتأثيرها فيها، وإقدامها وإحجامها، ونتائج صوابها وخطإها"."
وكان الهدف العام محاولة إدراك مقاصد نظرية المنهاج النبوى في فكر الأستاذ ياسين، والتعرف على القيمة العلمية والعملية لها، ومدى جديتها وجدواها في الإصلاح والتغيير، وأما الهدف الخاص فكان تبيّن مدى عمق الفكر الفقهي في نظرية المنهاج النبوي ومدى فاعليته في دفع العقل الفقهي للتحرر من تقليد الأشكال والرسوم الماضية، وتفعيل طاقاته العاطلة أو المعطلة، لإنتاج الحلول الآنية المناسبة لواقعنا الراهن.
وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي، وفي ضوء الدراسات القديمة والحديثة لرواد الفكر الإسلامي، تبينتُ جانبا من معالم نظرية المنهاج النبوي وأبعادها، ومدى الفاعلية التغييرية والإصلاحية التي تكتسيها.
وقد دار البحث على محاور متعددة من الفقه السياسي، وتحرير العقل الفقهي، والمنهج الأصولي والاجتهادي، والفكر المقاصدي، والفكر الفقهي الحداثوي..
وقد بان للباحث جملة من النظرات التجديدية العميقة، منها –على سبيل المثال- مشروع ""الفقه الكلي"" ، أو ""الفقه الجامع"" ، وهو ""الفقه الذي يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة"" ، فلا بديل عن ذلك الفقه لإصلاح ""الفساد والكساد"" ، ولمجابهة الوضع الحالي ""وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة في تفكير الحكام وممارستهم"" .
إن التجزئة التي يعاني منها الفقه تمثل تحديا لنا أن نقوم لنجمع بالاجتهاد شتات العلم، متخطين كل التجزئات وكل الأفكار والاجتهادات والمواقف النسبية المظروفة بظروفها التاريخية. لنعيد كل اجتهاد سابق إلى نصابه، نعرضه في حدود نسبيته على النموذج النبوي الكامل الذي طبق كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ومثال النظر الفقهي الكلي مسألة اشتراط الحول في الزكاة، ف"ـ"بشرط الحول يتصور متصور أن الأموال يُحتفظ بها راكدة حتى يمر العام. والحال أن المسلمين بحاجة ماسة لترويج أموالهم أقصى ترويج لتنتج. فشرط الحول فقه بالنسبة للفرد الذي يحسب حسابه ليؤدي حق الله في ماله. أما الفقه الضروري للأمة فهو فقه ترويج الأموال، وتحريكها، واستثمارها، مع اقتضاء حق الزكاة فيها..."." "يساعد على ذلك النظرِ الكليِّ فهمُ مقاصد الشريعة واعتبارُها في الاجتهاد، وإلا فإننا "نفهم ديننا نُتفا ممزقة إن غفلنا عن المقاصد العليا للشريعة وأخذنا الأحكام منفصلة بعضها من بعض"."
فهذا الفقه الجامع هو الذي يعطينا النظرة الكلية المستمدة من القرآن والسنة، بها ننظر إلى التراث الفقهي كأساس لاجتهاد مجدَّد.
وكان أهم نتائج البحث:
إدراك قيمة الفكر الفقهي الذي لا يقل أهمية عن سائر جوانب النظرية المنهاجية، إن لم يكن هو المحرك لها، وخلاصة ما يرمي إليه فكر الأستاذ ياسين في هذا الجانب هو بعث مشروع تجديدي للفقه والاجتهاد، يعتمد على النظر الشامل والمتكامل والمنهجي لمصادر التشريع ومقاصده، وتوظيف كليات المنهج الاجتهادي التي أسسها الأسلاف وحرروا قواعدها وأصولها، وفقه الواقع الراهن لتنزيل الأحكام بإحكام، ومجانبة النظر الجزئي للأدلة والوقائع والغفلة عن مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين.
ويعتبر مثال (الفقه الجامع)، إشارة واضحة إلى مشروع تجديدي يلتقي مع جهود أفذاذٍ من علماء أمتنا، ليبعث الفقه ويجدد الاجتهاد، ويحرر العقل الفقهي الذي كان وما يزال مكبلا بقيد التقليد والتجزئة وروح الاستحياء.
ومن هنا يصب هذا الجانب -بما له من القيمة العلمية والحركية والإصلاحية- في أهداف نظرية المنهاج النبوي المتكاملة.
والأستاذ عبد السلام ياسين -حفظه الله- عالم مستوعب، ومفكر رصين، وناقد بصير وجريء، وصاحب تجربة طويلة وذهن وقاد وذكاء خارق، وكلامه موجز مفيد، يحس قارئه ثقل معناه وتركيزه وعميق فحواه وعظيم جدواه. وهمته عالية تتسامى إلى الاجتهاد والإصلاح والفاعلية، وتنفر من التقليد والسلبية والانفعالية، وهو ذو شخصية متكاملة محيطة بكل جوانب المعرفة: الشرعية والثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية، والاقتصادية، ومدركة عميق الإدراك للواقع الراهن وجذوره وآثاره، وأبعاده.
ومن هنا تستقر في ذهن المطالع لأعمال الأستاذ ياسين حقيقة التكامل والتوازن والتناسق المعرفي والتربوي في نظرية المنهاج النبوي.
وإن القيمة العلمية والعملية والحركية، والفاعلية التغييرية والإصلاحية لنظرية المنهاج النبوي تتأكد في تحرير العقل وتفعيل طاقاته في مجال الفكر الفقهي، وقد بدت لنا ملامح جمة من النظر الاجتهادي التجديدي، الذي يستأهل كل إكبار واعتزاز.
كما تتأكد ضرورة رسم مناهج لتفعيل طاقات العقل الفقهي خصوصا والعقل المسلم عموما، وتحريره من الجمود والجزئية، والخروج به إلى النظر الاجتهادي الكلي المستوعب لأصول الشريعة وفروعها، المتضلع من الوعي المقاصدي، المتبصر بالواقع والمآل.
ولقد سِيقَت في هذا البحث نماذج مختارة من الفكر الفقهي، ولم يكن في الإمكان ذكر التفاصيل الكثيرة التي حوتها كتب الأستاذ ياسين، وقوفا عند صرامة الشروط المنهجية للمؤتمر، ولذلك يبقى الفكر الفقهي لدي الشيخ ياسين محتاجا إلى مزيد تأمل وتدقيق، وآمل من نفسي أو غيري مواصلة العناية بهذا الجانب المهم من فكر الأستاذ ياسين حفظه الله.
وأخيرا ينبغي الاستفادة من نقد العقل الفقهي في تفعيل وتحيين المحاولات الاجتهادية حتى لا تبقى حبيسة الماضي، وفي بعث روح الاستقلالية في المجتهدين.
والله ولي التوفيق.

















