ملخص البحث: لغة القرآن في نظرية المنهاج النبوي


الأستاذ الصادق الرمبوق

جامعة عبد الملك السعدي - المغرب

يحفل خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين ويزخر بالحديث عن «لغة القرآن»؛ فلا يخلو مؤلف من مؤلفاته التي ناهزت الأربعين كتاباً من التنويه بالصنع الإلهي الذي مشج اللغة العربية وأدغمها في القرآن إدغاماً وشيجاً جعل منها جزء ماهية الوحي والدين، ومن التذكير بمناط تأهيلها لتكون وعاء كلام الخالق سبحانه ورسالته، ومن التنبيه على كفاءاتها المتجددة المفتوحة على أفق الريادة الحضارية.

تناولنا الموضوع عبر أربعة مباحث:

يقف "المبحث الأول" على تَصدُّر اللغة لائحةَ مطالب التغيير المعاصر المنشود، وقيام هذه اللغة مقام أساس صرح البناء وقمته في آن معاً. فعلى الرغم من إقرار منظّرنا أن الأسبقيات تتزاحم على المرتبة الأولى، كل منها يريد أن تعطاه الأسبقية، فإنه يحلّ اللغة محلّ القاعدة والتاج في الآن نفسه، جاعلاً إياها مقوِّمَ المقومات، وأُمَّ المطالب والرغائب. آيةُ هذا الجعْل عنده، تأسيسُه النظريُّ لصرح المطالب والرغائب بطريقة مزدوجة، تُنزل اللغةَ حين وصْفِها الصرح صعوداً منزلةَ القاعدة والأساس، وتسمو بها حين إعادة وصفِها الصرح نزولاً منزلة الرأس والقمة. هكذا يفضي أستاذُنا من بيان ترتيب صرح المطالب والرغائب إلى إثبات هيمنة اللغة ولفِّها الصرحَ رأساً وقاعدة.

ويعالج "المبحث الثاني" مناط تشريف اللغة العربية، حاصراً هذا التشريف في العربية التي هي جزء ماهية الوحي والدين، لا سائر لغة الضاد التي أليكها النصارى العرب ومن على مذهبهم من القوميين المسلمين. إن موجب التعلق بلغة الضاد عند عبد السلام ياسين إنما هو حصراً من جهة كونها لغة القرآن. لذلك يعُدّ التعلقَ الخاص باللغة القرآنية، تعلقاً هو من صميم الدين، لأن شكل اللغة لا يمكن فصله عن مضمون الرسالة. فالعربية عنده جزء لا يتجزأ من الدين، جزء لا يتجزأ من الوحي، إذ هي حاملته وحاضنته، هي الوعاء، هي الرحم، هي الجسم، جمالها ليس هو القيمة، لكن القيمة ما حمله إلى عقلنا وقلبنا ذلك الجمال، بيانها ليس الغاية والمنى لكن ما أبانه من معان.

لذا يُكثر من نعتها بالشرف في غير ما موضع. ومناط هذا الشرف دائر عنده على القرآن، فما صارت كذلك إلا بحمل القرآن وصحبته. بل إن باب القرآن ممتنِع موصَد في وجه من لا مفتاح معه، وما المفتاح إلا اللسان العربي المبين، اللسان الشريف باختيار الله له حاملاً لخطابه. هي مشرفة من قبل الحق سبحانه إذ هي البيان والتبيين. ولمكانة هذا "الكمال"، تأبى لغة القرآن إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبلُ لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية.

هكذا تصير اللغات الأخرى في جنب لغةِ القرآن، الحسناءِ الرائعةِ الجمال، سَمِجَاتٍ قبيحاتٍ شوهاواتٍ رذيلاتٍ إن راودها شيطانُ مزاحمةِ الحسناء والمشاغبةِ عليها.

يذهب أستاذُنا إلى أن روعة الأسلوب وجزالة اللفظ لا تكفي لتفسير الإعجاز القرآني. إن القرآن كلام الله عز وجل تقمص لساناً بشرياً. فإعجازه ذاتي، إعجازه من مصدره الإلهي، إعجازه من كون الفطرة البشرية عرفت فيه سطوة الألوهية وتعرفها.

ويناقش "المبحث الثالث" ولاء اللغة العربية المتأرجِح بين القومية والقرآن، مبرزاً الفرق الجوهري بين الولاءين، من حيث التضاد المطلق بين العصبية القومية والانتساب لله عز وجل.

إن منظّرنا يخاصم في كتاباته كل من يريدها قومية ناطقة بلغة الضاد لا بلغة القرآن، معلناً أن ولاءه إنما هو للقرآن، على النقيض ولاء العرب القوميين للغة. فعندما يغتبط هو بامتلاك لغة شرفها الله واختارها لينزل إلينا فيها ذكره، يعتبر العروبيون بأن العروبة قدمت للإسلام وللقرآن هذه اللغة العبقرية. صحيح أن ياسين يُثْبت للغة العربية مؤهلات فريدة بين اللغات، ويقرّ أنها أعطت الوحي خصائصها البلاغية، لكنه يصرح في الآن نفسه أن هذه اللغة القومية عقيم من كونها قومية. إنها لغة كان يتكلمها جاهليون بجزيرة العرب، فلما شرفهم الله بالإسلام وشرف لغتهم بتحميل خطابه أصبحت إعراباً إلهياً وبياناً. ولولا ذلك لا انقرضت في الغابرين. إن العربية إنما حييت واستعصت على الدهر بحياة القرآن. وإن العربية بلا قرآن تعطيك العروبة بكل أمراضها المعروضة على العالم. أمراض تعكسها لغةُ الجرائد المُألْيَكةُ العاجزة عن أن تحمل ألفاظُها ما تحمله الألفاظ من دلالات خلفية إيمانية في لغة القرآن. أليكة كان النصارى العرب فرسانَها منذ عصر النهضة، منذ أن صاروا رواد الأدب العربي والصحافة العربية والتأليف العربي والأكاديمية العربية. لقد كانوا الرعيل الأول في ركب العلمانية، والطليعةَ التي دخل بواسطتها الفكرُ العلماني شامخ الرأس إلى ديار أمة العرب المسلمين، وما فتِئُوا منذ قرنين يُعالجونَ اللسانَ العربيّ ليُطاوِعَ التّعبيرَ العصريَّ عن الواقع العصريِّ مجرَّداً عن دين الإسلام. وها هي بين أيدينا لغةٌ عربيةٌ عصرية لاييكيةٌ ما بينها وبين لغة القرآن من قرابة إلا صِلَةُ اللفظ والحرف، لغة معلمنة فقدت كفاءتها التعبيرية حين أصبحت عاجزة كل العجز عن التعبير عن البعد الروحي.

ويتطرق "المبحث الرابع" إلى لغة القرآن من جهة كونها الوسيلة الأنجع لمنازلة الهجوم الثقافي الغربي، والأداة الفعالة لاستيعاب العلوم وتوطينها واستنقاذها من الأليكة الطارئة عليها.

يطغى واقع المنازلة الميدانية بين الإسلام والغرب على خطاب منظّرنا، خاصة عند حديثه عن وظيفة اللغة المتحكمة في صياغة المفاهيم وبلورة الثقافة وبناء التصورات الوجودية الكبرى. فعنده يتعذر الفصل بين اللغة وما تحمله وتتضمنه من رسالة؛ فإن العربية جزء ماهية الوحي، مثلما هي اللغة المادية الإلحادية "جزء ماهية" الكفر. لذا يمكّن إتقان لغة القرآن من محاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا.

تقر نظرية المنهاج النبوي بأن التحدث بلغة القرآن في عصر ساد فيه حديث الفلسفة والثقافة والفن واللذة والمنفعة و"السعادة" والمتعة والمردودية وتوابعها مَدخل صعب. فما من كلمة من المفردات في قاموس المثقفين إلا لها خلفيات لاييكية فلسفية. ما منها إلا له دلالات ومرجعيات معناها من هناك وإن كان مبناها يتأرجح ويترنح ليزعم أنه عربي. لكن صاحب النظرية لا يجد من الاستجابة لهذا التحدي بدّاً. لذا يضطر إلى استعمال مصطلحات العصر ومفاهيمه، لكنه استعمال واع يستكنه مصادر المفردات، فيكشف أصولها ليعلم هويتها وما تحمله. نقد صارم يعُمّ قيادات الحركة الإسلامية ومرشديها، عبر الكشف عن انحراف الخطاب الإسلامي عن لغة القرآن وانزلاقه إلى لغة عصرية لاييكية تزداد عن ذكر الله والغيب والآخرة بُعداً.

وليست لغة القرآن مؤهَّلةً فقط لمنازلة الثقافات الأجنبية والفلسفات الغازية، بل هي أيضاً شرط العزة المستقبلية. فلا سبيل إلى نقل التكنلوجيا وتكوين العقول المبدعة إلا بالاعتماد الكلي على لغة القرآن أداة تعليم وبحث وعمل. ونهضة المسلمين تتوقف على اكتساب لغت القرآن سلطان الكفاءة العملية، سلطان السيطرة على المكاسب العلمية البشرية، سلطان الصلاحية للاستقلال بتلك العلوم. وهو إلى ذلك مدرِكٌ صعوبة مهمة اكتساب العربية الكفاءة العلمية المطلوبة؛ فكيف تستطيع هذه اللغة استيعاب العلوم الكونية وتحاشيَ سطوتها المادية في آن معاً؟ كيف نتعلم لغات العلوم ونحذقها دون أن تُعديَنا فلسفة تلك اللغات وكفرُها؟

لا يرى منظرنا من سبيل إلى استعادة عزة المسلمين خارج استعادة عزة لغة القرآن، مستنكراً تحويلَ العربية إلى لغة محنّطة معزولة عن المختبرات، منكفئة عن شؤون الحياة. ومع أن منظّرنا يدرك أن مهمة الاستنقاذ والتوطين ضاربة في العُسر، فإنه لا يراها متعذرة، خاصة وأن هذه اللغة هي التي حملت كلام الله ورسالته، فلا بديل عن تقدُّم لغة القرآن لحمل جسامة استنقاذ العلوم وتوطينها إلا المكوث على هامش التاريخ.