لحكمة ما - أرادها الله تعالى -كانت المسألة اللغوية حاضرة منذ اللحظة الأولى لخلق الإنسان، فقد كان أولُ تعليم رباني تلقاه الجنس البشري هو اللغة والبيان، حتى قبلَ أن يتعلم آدم كسبَ قوته، أو عبادة ربه، أو ستر عورته.
ولغاية مشابهة، احتلت اللغة العربية أو ""اللغة القرآنية"" كما يسميها الشيخ ياسين، منزلة متميزة في المعمار المعرفي لكتاباته، ومع أنه لم يخصص لها فصولا بعينها في أي من كتبه، إلا أن حضورها وسريانها في شرايين مؤلفاته تنظيرا وتطبيقا، أمر ملحوظ، فقد كان على وعي عميق بأهمية اللغة العربية، وتأثيرها في فهم الدين وإدراك أسرار العبارة القرآنية، وتوحيد الأمة على كلمة سواء.
وقد وظف الشيخ ياسين اللغة توظيفا متعدد الأبعاد، وغاص في تفاصيلها، بدءا من تأصيل المصطلحات وتدقيق المعاني، ومرورا بتأكيد الشرط اللغوي للاجتهاد... وقد جاءت هذه الموضوعات متناثرة في أكثر كتبه، وستحاول الورقة نظمها، في مقدمة وأربعة محاور :
مقدمة
تناولت فيها عناية الشيخ باللغة العربية من خلال الدعوة إلى تعلّمها وتعليمها، وقد ظهر ذلك في تجويد كتاباته، والعناية بها فجاءت نصوصه قِطعا من الأناقة متدفقة بالشعرية، يستمتع القارئ بها، وتشده إليها شدا، وتذكرنا رأسا بكتابات الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، ومصطفى صادق الرافعي...
المحور الأول:
في العناية بالدقة اللغوية وبالضبط الاصطلاحي والمفهومي، وقد نحت الشيخ قائمة من المصطلحات والعبارات، وطبعها بطابعه الخاص... إلى الحد الذي يمكن فيه الحديث عن معجم خاص باستعمالات الشيخ ، وخاصة في حقل السياسة الشرعية والروحانيات.
لقد اعتنى الشيخ ياسين بالمصطلحات ودلالاتها، إدراكا منه لخطورة حرب الدلالات وخاصة في مجالات الفكر والفلسفة والإيديولوجيا يقول:"" ما من كلمة من المفردات في قاموس المثقفين إلا لها خلفيات لائكية...ما منها إلا ينكر وجود الله، ويسخر بمن يصدق بالبعث والنشور والجنة والنار والجن والملائكة"."
وقد شاعت هذه الألفاظ بدلالاتها المستعارة لدى الشباب، وشكلت خطرا حقيقيا على بناء المعرفة لديهم،
ويعلن الأستاذ ياسين موقفه من مصطلحات الحداثيين، يقول: "لا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة التي تلعنها لغة القرآن... ذلك لأن الكلمات في لغات الغرب مكتنزة من شحنات ليست فيها رائحة الرحمة،واللغة العربية لغة رحمة وحكمة، غلب عليها روح القرآن ..."
المحور الثاني:
في منزلة اللغة العربية من المعمار الديني والمعرفي، لقد تحدث الشيخ ياسين عن لغة القرآن باعتبارها لغة اللسان والفكر والروح، وجعلها- مقتديا بسلف الأمة- شرطا من شروط الاجتهاد.
فالعربية- عنده- "هي اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان."" وهي""لغة اللسان والقلب والإيمان"" "... ولأن توضيح الجادة البيضاء لا يصلح إلا بلغة القرآن ولغة النبوة.! " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا عظيما، وكان يرشد أصحابه إلى أساليب الخطابة الإسلامية، ويصحح أخطاءهم...."
وعلى غرار كبار علماء الأمة - ابن جني وابن فارس والشاطبي - يرى الشيخ ياسين اللغة العربية حسناء جميلة، يقول:"" حسناء رائعة الجمال هي لغة القرآن...وكل لغة غيرها منقوصة الأعضاء مبتورتها عديمة الكفاءة عن التعبير في ميدان الرحمة...أقصد تلك العلاقة الإيمانية الإحسانية...وأقصد بالحكمة اجتهاد العقل وإنجازه لمقتضيات الرحمة..."
المحور الثالث:
في نقد العجمة والرد على المستعجمين. يعيش الشيخ عصره بكل تموجاته، ويتابع اكتساح العجمة واللغات الأجنبية لألسنة الهوية، ودورها في خلخلة النسيج الاجتماعي للأمة.
فالعجمة والجهل باللغة تخلف في الدين ومدخل للضلالات : يقول الشيخ ياسين:"" إن دخلت العجمة في اللسان أو حالت عجمة القلب والعقل عن النفوذ إلى أسرار اللغة فلا أمل في أن يبلغ النداء الإلهي محله من الوعي.""
وقديما كان الحسن البصري رحمه الله يقول : ""إنما أهلكتكم العجمة !"" وكان الأصمعي يقول : "" تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بكلمة "" ...""ولذلك كان تحرز أسلافنا رحمهم الله من العجمة شديدا... وكان علماؤهم يخالطون عرب البادية."
المحور الرابع:
في الحرب على العربية، يتحدث الشيخ ياسين عن استفحال اللُّوثة والخلط على اللسان العربي وعلى كل لسان ينطق بالإسلام. فقد هوجمت العربية وهوجمت لغات المسلمين، لتُقْطَعَ منها الأوداجُ وتُحزّ منها الأطراف وتقطع صِلاتها باللغة القرآنية.
وقد طوَّر الفرنسيون نظام حروف إفرنجية لتُعَلّم بها الأمازيغية في مدارس الجزائر لنفس الهدف الطاغوتي. ولَئن بعثنا حروف "تِفِناغْ"، من مَرْقدها وكتبنا بها أمازيغية الثقافة السياسية بالمغرب، فلن نَعْدُوَ أن نساهم في استئصال العروق التي تصل العربي والعجمي بالمصحف.وبذلك يَضُمُّ الثوب اللغوي في بلاد المسلمين سبعين رقعة، كلها عاجزة، كلها مُلَوَثة، كلها عالة، كلها تحتكِم إلى اللغة السيدة.
وقد تطرق الشيخ لسلسلة من القضايا الفرعية، وبيّن موقفه منهما بوضوح كامل وهي باختصار:
اللغات الأجنبية أو ضرات العربية:
عداوة الاستعمار للغة العربية عداوة مستحكمة، تضمر حقدا دفينا لثقافة العرب وقرآنهم وسائر قيّمهم. فقد كانت العربية إلى عهد قريب أداة لمقارعة الاستعمار،حتى عدّ الفرنسي جاك بيرك، أن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية...ولذلك حارب الاستعمار العربية ... واكتَمل الصدع في تكوين تلامذة الطاحون الذين يمثلون استعمارا جديدا هو أخبث وألبث، استعماراً مُقَنَّعاً، لأن المستعمِر من بني جلدتنا ينطق بلغتنا.
وزحْزَحَتِ الثقافة الفرنسية العالمية لغة القرآن عن مكان الصدارَة، وتغلغلت في النفوس والعقولِ قيمُها ورموزها. حتى إذا تمكنَت الثقافةُ وانسحب المثقّفُ المستحمرُ حمل رايةَ التمرد على العربية وقرآنها وعلوها بعضُ أبناءِ العرب وبناتِهم.
العربية واللغة الأمازيغية والصراع المفتعل:
لقد أصبح معلوما أن من مطالب الحركة الأمازيغية، دسترة الأمازيغية واعتبارها لغة رسمية وجعلها متساوية مع اللغة العربية في جميع المجالات،وعكف المثقف السياسي الأمازيغي على لغة أجداده، ضرَّةٌ وضرائرُ أقْحِمتْ في بيتِ دين المسلمين العجَم.
يُعرض الشيخ ياسين عن هذه الأقاويل ومناقشتها، مكتفيا بالتذكير في حواره الهادئ مع ""صديق أمازيغي "" بشغف الأمازيغيين بالقرآن والعربية، قائلا:" كان البربرُ الأمازيغُ، ولا يزالون وهم العجَمُ،يُسْلِمون أنجَبَ أولادهم لفقيه المسجد وحافظ القرية ليتعلم القرآن...ويومُ الفخر والعزِّ هو ذلك اليومُ الذي يَنبَغُ فيه عالم وعالمة."
ويسجل الشيخ ياسين، بكل وضوح، موقفه فالأمازيغية لغة وطنية ولغة إسلامية، ومكانتها بهاذين الاعتبارين محفوظة، لكن يجب ألا تتحول إلى منافس وضرة وعدو للغة القرآن، لأنها حينئذ ستضع نفسها في خدمة لغة الأسياد، وتسيء إلى رصيدها التاريخي المشرق.
اللغة العربية والقومية العربية، من العرق إلى اللسان:
يرى الشيخ ياسين أن هناك ترابطا قويا بين الإسلام والعربية، وتعلقا للمسلم بالعربية لا يدفعه إليه إحساس قومي أو نزعة عرقية"" ما من مسلم ومسلمة يحرصان على دينهما إلا يتعلمان حدا أدنى من القرآن الكريم بلفظه العربي، فيكون ذلك وصلة لكلام الله عز وجل..."
لكن القوميين العرب انحرفوا بهذه اللغة وجعلوها وثنا يعبد من دون الله ، يقول الشيخ : ""إن اللغة العربية ملك مشترك بيننا وبين القوميين العرب... هؤلاء يريدون أن يعلمنوا العربية، بجعلها لغة عامة، وبعضهم يريدها عامية، تخاطب كل العقول، لا صلة لها بالدين."
فتقرأ وتسمع خطابا بألفاظ عربية، لكن بمعان تلعنها لغة القرآن. لا حاجة بنا إلى حكاية لغة الأيديولوجيات والفلسفة لكي يفهمنا ممسوخو الفكر.
لقد أصبحت هذه اللغة الغافلة عن الله المغفِّلة عنه أسلوبا مألوفا، ينشأ عليها الخَلَفُ بعد السَّلَف في أحضان إسلام أجوف منبهر مأخوذ...
دور الأمم في خدمة لغاتها، ومستقبل العربية : يقول الشيخ:"" لولا الوَهن في الدين ما هانت الحسناء العربية... ها هم اليهود، وهم حَفنةٌ من الناس، اضطهدَتْ لغتَهم العبريَّةَ لغاتُ الأمم قرونا طويلة، فلما بعثت فيهم العقيدة الصهيونية منذ قرن من الزمان الأمَلَ في حياة جديدة تلزمها لغةٌ قومية متجددة، خدم اليهود لغتهم، وطوروها، وألحقُوها باللغات الحية."
الحكمة أن نتعجب كيف حافظت اليابان والصين وكوريا على كتابتها التي تنكر بتاتا مبدأ بديهيا عند العالمين هو الأبجدية. أكثر العالمين تفوقا احتفظوا بكتابتهم المستغلقة إلا عن عبقريتهم. مجد هذه اللغة أنها أصيلة. ومجدهم أن لهم لغة تثبت خصوصيتهم، وتثبت لهم نسبا ثقافيا بين الأصلاء واللقطاء.
لم يستبدلوا بأفكارهم المصورة المرسومة في أشكال كخربشة الجن الحرف الأبجدي الأوربي ...
ليس المشكل إذن، هو إسعاف المتعلم والمفكر بالعربية بالكلمات اللازمة، لكن المشكل أن نطور أداة للتعبير عن العصر دون أن نضيع بعيدا عن لغة القرآن، أن نسعف العقل بأداة إجرائية مع تقوية لغة القلب.
وفي الختام، يقول الشيخ :"" إن وجودنا المعنوي، وعزتنا، ومستقبلنا، رهنٌ بأن يعاد لهذه اللغة مجدُها وسيادتُها. وسنبقى صُما عن معنى ديننا إن لم نُتْقِن لغة القرآن، بُكْماً عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رَطانَة الأعْجام على اللسان العربي المبين..."
سيبقى المسلمون لقطاء متطفلين في عالم العلوم والصنائع مادام تعليمهم لا يرتكز على لغة القرآن في المجالين التربوي القلبي والتعليمي الفكري...
بهذه التوجيهات المشحونة بالدلالات والإشارات، ننهي هذه الرحلة المباركة في كتابات الشيخ ياسين، وقد اتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك تصور متقدم، وحرص كبير على لغة القرآن الكريم تعليما وتعلما ونشرا و خدمة وتطويرا ...

















