ملخص البحث: نظرية المنهاج النبوي: الوظيفة والمقصد


الدكتور الكور السالم ولد المختار الحاج

منتدى الفكر الإسلامي وحوار الثقافات - موريتانيا

الدكتور الكور السالم ولد المختار الحاج

حينما نتكلم عن المنهاج النبوي فإننا نتكلم عن مصطلح قرآني بامتياز ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، ولو أنه اقتحم بقوة مجال التداول في العصر الحاضر باعتباره الناظم والمحدد لمجالات وطرق التفكير العقلاني، والمنهاج النبوي الذي رسم معالمه الوحي الرباني، وحدد وظائفه ومقاصده محمد صلي الله عليه وسلم باعتباره المبلغ عن الله ﴿ مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ النجم، يتميز عن غيره من المناهج بسمات ثلاث هي :

أولا : مرجعيته الربانية التي هي سر شموليته وتكامله وانسجامه ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ النساء، 82

ثانيا : تحقيقه لمصالح العباد الآجلة والعاجلة فالله هو ولي المؤمنين ﴿ نحن أولياؤكم فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فصلت : 31

ثالثا : صلاحيته لكل زمان ومكان لمرونة قواعده، وشمولية مقاصده،وشرف ونبل وسائله، ويعني المنهاج النبوي ما يطلق عليه في المصطلح القرآني "الصراط المستقيم" وفي المصطلح النبوي "المحجة البيضاء"، ونظرا لما تتميز به رؤية الشيخ عبد السلام ياسين من عمق وتحليل،ونظرة شمولية تبرز ملامح العبقرية في هذا المنهاج، وصلاحيته لتنقية السلوك الإنساني من شوائب التعصب والتحجر، وغوائل الانفلات والتحلل، ولما تتميز به من طرافة وجدة ورصانة وتأصيل آثرت أن أتناول موضوع"نظرية المنهاج النبوي الوظيفة والمقصد من خلال كتابات عبد السلام ياسين"

وبما أن معرفة حقيقة المنهاج النبوي لا تتم إلا من خلال استيعاب وظائفه ومقاصده، ونظرا لتشعب الموضوع وعمق واتساع مجالاته فسأشير إلى بعض النقاط الدالة من وظائف ومقاصد المنهاج النبوي فما هي هذه الوظائف ؟ إن من أهم هذه الوظائف:

أولا : تهيئة المسلم لاقتحام العقبة قال تعالى : ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ سورة البلد،11. وأفلح وفاز من اجتازها متحديا سلطان الجسد، وما تميل إليه النفس من ملذات ومتع غالبا ما تغوي من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، واقتحمها الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم.

ثانيا : تجسيد القيم الخلقية في سلوك عملي، فقد بعدت الشقة، ما بين الدين والتدين، وقد تنبه لهذا الواقع عبد الله بن عمر حين حين لاحظ أن البعض يقرأ القرآن ""ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدرى ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل"" .[1]

ثالثا : التخلق بخلق الصبر والتواصي به وبالحق فعباد الرحمن نالوا الجزاء السني والمقام العلي بالصبر ﴿ يجزون الغرفة بما صبروا ﴾ [2] وتحية الملائكة لهم كانت بسبب الصبر كما جاء في آية أخرى: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم﴾ [3].

رابعا : تحرير المسلم من عجمة اللسان والعقل والقلب لأن هذه العجمة تمنعه من استيعاب الخطاب الشرعي واستجلاء مكامن عبقريته، ومظاهره الجمالية الفريدة فلا مجال لاستيعاب النص القرآني إلا من خلال معرفة اللغة العربية، وقد استحضر الشيخ قول أبي عمر بن العلاء لعمر بن عبيد : ""ويحك يا عمرو من العجمة أتيت"" .

خامسا : تحقيق معاني الإيمان في القلوب وشعب الإيمان في السلوك من خلال بناء المؤمن فــــ""الشاهد بالقسط القائم لله، هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات، هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان"" .[4]، هو الذي يتولى المؤمنين، ولا تكون الموالاة إلا عن حب، كما لا تكون المعاداة إلا عن بغض، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ المائدة: 8.

سادسا : تأليف جماعة المسلمين القطرية وتربية رجالها وتنظيمهم على قواعد (التآخي – المحبة - الطاعة) وبذلك تأتلف جماعة المسلمين و"من خالف جماعة المسلمين شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" [5]، ويد الله مع الجماعة و إنما ياخذ الذئب من الغنم القاصية[6]"وقد أخبرنا الصادق المصدوق أنه وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض" [7].

سابعا : إقامة الدولة الإسلامية القطرية وبعد ذلك توحيد الأقطار الإسلامية تحت الخلافة الوارثة ويقتضي واجب الولاية العامة أن تتعاون على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جمع الكلمة، وعلى طرح الحزازات الشخصية .وإذا كان في ما سلف مرور خاطف على أهم وظائف المنهاج النبوي، فما هي أهم مقاصده ؟

تتعدد المقاصد الشرعية في نظرية المنهاج النبوي،، وجلي أن أي مقاصد شرعية لا بد أن تتصدرها الكليات التي اتفقت عليها الشرائع وهي: حفظ "الدين، والنفس، والعقل، والعرض, والمال، المبني حفظها وجودًا في جلب المصالح وتكثيرها؛ فكل طاعة ترجع إليها، وعدمًا في درء المفاسد وتقليلها؛ فكل مخالفة خارجة عنها، وذاك في أصنافها الثلاثة: "الضروريات"، و"الحاجيات"، و"التحسينيات....وأجمع آية لها في كتاب الله -تعالى- قوله, سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النحل، 90. ويقول الشاطبي إن الكليات ""هي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، وما هو مكمل لها ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها، وسائر الفروع مستندة إليها"" [8] والمقاصد الجزئية المندرجة تحت هذه الكليات وجدت ما تستحق من دراسة وتمحيص في كتب الشيخ ورسائله ومن هذه المقاصد :

تعبيد الإنسان لله رب العالمين وتحريره من سيطرة النزعة المادية التي فشلت في تحقيق الأمن والطمأنينة فالمجتمع المادي يعانى الفراغ القاتل والخواء الروحي، والمقصد الأسمى للمسلم أن تكون حياته ومماته لله رب العالمين ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام، 162.تحرير العقل والإرادة فما لم يتحرر العقل من إساره لا سبيل إلى تحقيق القومة، وبناء الجماعة المسلمة المتماسكة، وتحرير العقل المسلم من آثار الغزو المترسبة فينا "ضروري لنعلم أن تخلفنا في العلوم والصناعات والقوة وضروريات الحياة ناتج عن تخلفنا عن الإسلام وتخلينا عن القرآن. لا العكس.."[9] لنعود إلي فضاء الوحدة الجامعة في دولة عتيدة لا شرقية ولا غربية، تعيش بالإسلام وللإسلام.عمران العدل والإحسان : فدوحة العدل في الإسلام وارفة الظلال يعيش في مرحمتها المسلم وغيره بكرامة وعدل، وهي المرحمة التي جعلت عمر رضي الله يقول لما مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب المساجد: ""ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك، ثم ضيعناك في كبرك"" ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.[10] وجعله يقول حين أوتي بمال كثير من الجزية، : إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا، قال: بلا سوط ولا نوط؟[11]قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي، ولا في سلطاني.[12]التحرر من وصمة الجاهلية الحديثة والجاهلية وردت في القرآن الكريم مرتبطة بالعصبية والحمية، وهي مشتقة من الجهل، ولها دلالتان مختلفتان ذكرهما الشيخ هما : أولا الجهل الذي هو ضد المعرفة، فهذه الجاهلية لا تعرف الله تعالى، والجهل ضد الحلم وهو العنف و"من سمات الجاهلية تفضيل الرأي البشري على الوحي، والزيغ عن الشرعة الإسلامية والمنهاج، إلى شرعة المصالح ومنهاج الشهوة، وابتغاء الفتنة"[13]والمنهاج النبوي هو الذي يحرر الإنسان ويعصمه من أن يظن بالله غير الحق ظن الجاهلية، ويعصمه من حكم الجاهلية ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ المائدة50، ويبعد المسلمات عن تبرج الجاهلية الأولى، ويسل سخيمة القلوب حتى تتحرر من الحمية حمية الجاهليةإخضاع واقع المجتمع المسلم لمقتضيات النص الشرعي، مع التفريق بين التحريف والانحراف : فقد أخطا كثير من الدارسين الذين قاموا بإسقاط واقع المسيحيين ومنهج الكنيسة في التعامل مع المستجدات على واقع المسلمين، وفاتهم أن ما يعاني منه المسيحيون هو التحريف الذي أصاب النص المقدس لديهم، أما المسلمون فإنهم يعانون من الانحراف الناشئ عن الهزات العنيفة التي عركتهم بكلكلها، فعاشوا قرونا عديدة تحت رحمة ملك عضوض صادر حقوقهم وحرياتهم ولم يراع فيهم إلا ولا ذمة.

وأمام تغول الملك العاض وتخاذل النخب المسلمة ضاع حاضر ومستقبل أمة الإسلام في أتون صراع غير متكافئ، أهدرت فيه الحقوق وعطلت القدرات بل شلت ملكات الأمة في الخلق والإبداع .

وختمت الدراسة بالدعوة إلى مقاربة تستهدف بعث الأمة المسلمة، وتأهيلها للاضطلاع بدورها كاملا في تحقيق النهضة الشاملة لكل جوانب الحياة، و هي النهضة التي يستظل بدوحتها الوارفة، وينعم بفضائها الفسيح كل أفراد المجتمع الإنساني، و لا تتحقق هذه النهضة إلا بــــــ :

إعادة بعث المنهج النبوي كما نقله الرعيل الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسانلم شتات هذه الأمة التي عبثت بها الأهواء واستحكمت بين أفرادها العداوات ، وانشغلت بمعاركها الجانبية وقضاياها الجزئية عن معركتها المصيرية الكبري ، وهي معركة الوجود في بعديه المادي والمعنوي، ولن يتم لم ذلك الشتات إلا من خلال تدبير الخلافات والتناقضات بحكمة، مع الاهتمام بالمشتركات وعدم التركيز علي ما يفرق ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام،159.التعامل مع النص الشرعي بما ينسجم مع مستجدات العصر بما يكتنفه من إكراهات وضرورات ، فما بعث الرسول إلا ميسرا لا منفرا "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" [14]، والله جل جلاله أراد بعباده اليسر ﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة185 ، فلا مجال للتضييق على عباد الله انطلاقا من شرعه ، فالله أكرم هذا الإنسان، وحمله في البر والبحر ، وخلقه في أحسن تقويم ، ثم فضله على كثير ممن خلق تفضيلا.دعم وتثمين المبادرات الطيبة التي أسهمت في تكوين وتوعية وتهذيب وتزكية الشباب المسلم من خلال التركيز علي جوانبها المشرقة والسعي المخلص للاستفادة من أحسن ما تقدم ، مع عدم الانجرار خلف ما تزخر به من سلبيات هي في حقيقتها نتاج التراكمات والمواريث الاجتماعية ، فالجماعة المسلمة لا تخلو من نوازع خيرة وصفات حميدة ، وباستثمار ما تتصف به من صفات خلقية حميدة ، وتفادي ما تتصف به من سلبيات يتم وضع لبنة كبرى لتأسيس جيل الخلافة والتمكين وهو الجيل الموصوف في الآية الكريمة ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ النور، 55. وحينها يلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، وينتصر الحق،ويبقي ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

[1] سنن البيهقي الكبرى أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي ، جماع أبواب صلاة الإمام وصفة الأئمة باب البيان أنه إنما قيل يؤمهم أقرؤهم إن من مضى من الأئمة كانوا يسلمون كبارا فيتفقهون قبل أن يقرأوا مع القراءة رقم الحديث 5073
[2] سورة الفرقان: الآية: 75
[3] سورة الرعد، الآية: 25
[4] المنهاج النبوي صفحة 45
[5] المستدرك على الصحيحين كتاب العلم رقم الحديث 401
[6] صحيح ابن حبان باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركهاذكر استحواذ الشيطان على الثلاثة إذا كانوا في بدو أو قرية ولم يجمعوا الصلاة ونص الحديث "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية"
[7] صحيح ابن حبان كتاب السير باب طاعة الأئمة ،ذكر إثبات معونة الله جل وعلا الجماعة وإعانة الشيطان من فارقها الحديث 4577
[8] الموافقات - (1 / 108)
[9] ياسين . محنة العقل المسلم صفحة 123
[10] كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - (4 / 498)
[11] في تاج العروس - (1 / 5025) بِلا سَوْطٍ ولا نَوْطٍ أَيْ بِلا ضَرْبٍ ولا تَعْلِيقٍ. وانْتاطَ به الشَّيْءُ : تَعَلَّقَ
[12] كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - (4 / 498)
[13] الإسلام والقومية العلمانية ص 165
[14] البخاري كِتَاب الْوُضُوء، بَاب صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَسْجِدِ