حاولت هذه الدراسة أن تجيب عن إشكال مهم له أثره على السياقات الفكرية المعاصرة، وهو: ما موقع الإنسان في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين ومشروع المنهاج النبوي؟ وهل تأثر في أطاريحه بأفكار الأنسنة الحداثية أم أنه تجاوزها ونقضها وقدّم بديلا قرآنيا فيها إعمالا لما كان ينادي به من أسلمة الحداثة؟
ولذلك لم يكن غرض البحث مجرد العرض والتقرير لما تضمنه فكر الأستاذ ياسين في كتبه ومقالاته وما كتب عنه، وإنما في إبراز الرؤية العميقة لفكر أحد رواد الدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي المعاصر في أهم قضية فجّرها فكر الحداثة منذ القرن السادس عشر، إذ الوصول إلى بلورة منظومة متكاملة تهز كيان ما اصطلح عليه بفكر" الأنسنة" الحداثي من خلال المرجعية العليا، يعتبر برأيي أهم الإنجازات الفكرية والثقافية التي يمكن أن تفتخر بها الحركات لإسلامية المعاصرة، فلقد ظل أغلب المشتغلين بالنقد الفلسفي والسياسي والثقافي من اليمين واليسار يتهمون هذه الحركات بالسطحية وغياب مشروع فكري عميق على مستوى الإنسان والمجتمع والدولة، وبالمقابل يبرزون الإنجازات التي حقّقتها الحداثة، إلى الدرجة التي أعلنوه فيها السيد المطلق للطبيعة. ولذا حاولت بناء مقاربة موضوعية بعيدة عن التشنّج والنرجسية، ومتدثرة إلى أبعد الحدود بالموضوعية، مع الالتزام بالنسق الذي يسير فيه فكر الأستاذ، في حرارة الكلمة وتنوع العبارة وعمق الفكرة، مقارنا بأنساق من داخل السياق الإسلامي وخارجه، للوصول إلى نتائج واسعة وشاملة.
لقد تمظهرت الإنسانوية أو الأنسنة منذ تأسيسها في مذاهب متنوّعة، أحيانا واقعية وأخرى مثالية دون أن تخرج عن الإطار العام في أن الإنسان هو دائرة الكون، وهو مؤسس ما ينفعه قيمة وأخلاقا ونظام حياة. ومن أهم الأفكار التي بشّر بها المذهب الأنسني، قدرة الإنسان الفائقة وغير المحدودة في شتى الشؤون، بما فيها المسائل القيمية والأخلاقية. وهنا يلتقي مع الاتجاه الوجودي الذي ظهر في مرحلة لاحقة، حيث الإيمان بأن الوجود ما هو إلاّ انعكاس للذات، و لذلك فكل شيء هو أسير للذاتي والجسدي، سواء تعلّق الأمر بالفكر، أم تعلّق بالقيم والأخلاق، فالأنسنة يمكن اعتبارها نزعة وجودية جد متقدمة لم تنضج فلسفيا بسبب تأسيسها كردة فعل ضد الفكر الكنسي والديني عموما في القرن الخامس عشر، وعليه يفسّر النزوع المتطرف لهذا المذهب إلى الإلحاد والعدمية. ولقد قام الأستاذ عبد السلام ياسين بقلب هذه النزعة واستطاع النجاح في بلورة منظومة لإنسان القرآن الكريم، عمادها المرتكزات القرآنية، وواقعها نظرية المنهاج النبوي في إطار الاستخلاف القرآني الواسع.
ولعل من أبلغ النتائج التي توصلنا إليها، أن مفهوم الأنسنة عند الأستاذ ياسين، منظومة القيم والفضائل التي كُرّم بها الإنسان ومُيّز بها عن باقي المخلوقات، طِبقا لمبدأ التسخير والاستخلاف، ومبدأ الحرية والالتزام الأخلاقي وليس الوجودي، محكومة بعقيدة ومرجعية عليا تسمو فوق الحس والمادة، وتستقصد الفلاح في الآل والمآل. وأن الإنسان المؤسّس للمفهوم الحقيقي للأنسنة عند الأستاذ ياسين، هو الحامل لرسالة، الموقن بأنه خليفة في الأرض، لم يوجد ليكون هملا ورقما طبيعيا، أو كما يصطلح عليه هو في منحوتاته الدلالية النادرة : "الإنسان الدوابي". ولذلك يناقض الأستاذ ياسين كتصور عقدي مفهوم الأنسنة الحداثي، ويعتبر أن القيم المولّدة من ذاك المفهوم هي قيم مقلوبة تلاعب أصحابها بالألفاظ والمصطلحات ليصطادوا في مسيرتهم اللادينية السذّجَ من الناس، الذين تستهويهم عبارات مثل :الحرية والإنتاجية والقدرات الخلاّقة والخارقة والخصوصية . . . وغيرها، ليؤسّس لمفهوم قرآني للأنسنة، عماده ومنطلقه مبدأ التكليف والاستخلاف.
كما أن فكرة الالتزام الأخلاقي هي التي تخرج لنا إنسانا جديدا، إنسانا ربانيا، يستشعر قيمة وجوده ولا يكون كالهوام، أو كالدواب الذين لا يدرون ولا يعقلون شيئا، وأن بحث الاستاذ ياسين للإنسان في سياق الوجود يعيدنا إلى قضية غاية في الأهمية فلسفيا، وهي الموازنة التي حدثت تاريخيا في القاموس العربي بين الكون والوجود.
لقد حاول الأستاذ في تفكيكه لبنية الحداثة بجميع مكوّناتها وسياقاتها في نموذج الإنسان، البرهنة الحسية والوجدانية والواقعية عن إفلاسها وسقوطها، في مقابل إعطاء البديل الأنسني الصحيح الذي يسير وفقا للمرجعية القرآنية والسنة النبوية كمنهاج شامل، حي ينبض بالحياة، كرّس له الأستاذ جل حياته وهمه وفكره. وقياس فكره الإنساني والأنسني بالمنهاج النبوي، يظهر الرؤية الواضحة والشاملة والبعيدة التي ينظّر من خلالها الأستاذ، فالمسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط. فتسمو به الأمة من كبوتها، واستعباد الأعداء لها في الأرض، وذلتها في نفسها، وتخلفها الحضاري والاقتصادي والعسكري.

















