ملخص البحث: الأساس القرآني لنقد الحداثة عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور عبد الرحمن عبيد حسن

جامعة العلوم الإسلامية - ماليزيا

المبحث الأول: مفاهيم ورؤى قرآنية في نظرية المنهاج النبوي

المطالعة في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين مطبوعة بالاسترسال كما أن الأفكار في تلك المؤلفات مسترسلة ونابضة بالحياة، فلا يجد المرء نفسه إلا وقد قطع شوطاً طويلاً في القراءة دون أن يلتفت إلى هدفه المرجو من هذه المطالعة وهو استخلاص فكرة عن قضية واحدة ومحددة الأبعاد، لسبب بسيط هو أن تلك الفكرة محاطة من كل حدب وصوب بقيم تربوية، وتوجيهات سلوكية، ومعالجة فذة لقضايا راهنة عاشها وعاشها معه جيل من المثقفين الإسلاميين، وفيها استنطاق للتاريخ الإسلامي، وتحليل لآراء الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسيين... وبصورة أوجز محاطة بالمنهاج النبوي! إلا أن هذا المنهاج ليس سباحة في عالم التنظيرياسي[1]، وفي خضم هذه القراءة تتواثب مصطلحات ومفاهيم جديدة ابتدعها قلمه السيال، وهي بدورها مصطلحات واقعية، متولدة عن دراسة متأنية لواقع المسلمين والفكرين الغربي والإسلامي.

رأس المفاهيم القرآنية عند الأستاذ هو اقتحام العقبة[2]، هذا الاقتحام يحل الإخوة الإنسانية محل الصراعات الطبقية، بعد مواجهة طبيعية بين المؤمن الساعي لتغيير سلوكه، والجماعة الساعية لتغيير واقعها، والأمة الساعية في مسيرتها التاريخية وبين العقبة التي تنتهي باقتحامها[3]، وهذا الاقتحام هو صعود في درجات الإسلام والإيمان والإحسان[4]؛ وفك الرقبة هو أول دليل على عزيمة المؤمن في اقتحام العقبة، وفك الرقبة دعوة مفتوحة لتحرير الإنسان، وقربة إلى الله وعمل صالح، ونشر، وتزكية للنفوس المحرِّرة والمحرَّرة معاً.[5]

ومن هذه المفاهيم (القومة)، وهذا المفهوم مستلهم من القرآن الكريم، والقومة منهج قائم على سبع نقاط، وهي: قومة الداعي تبتدئ بقومة الرسول في قومه، بالرفق والتيسير. 2. القومة هدفها إحلال العدل محل الجور. 3. إقامة الصلاة. 4. تطهير الفطرة مما علق بها من الشوائب. 5. إقامة حدود الله. 6. تحكيم مبدأ الشورى. 7. إقامة الوحدة[6]. ولن تدور رحى القومة وآلياتها، ولن يستقيم سيرها، إذا كان الأساس الاقتصادي خرباً.[7]

المبحث الثاني : النقد القرآني للأستاذ عبد السلام ياسين لأبرز قضايا الحداثة

استخلاص نظرية معنية بالحداثة ونقد الحداثة في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين يعني حصار فكر واقعي متسلسل وهادر ينطلق من واقع معاش بحرقة وألم، وتقييد قلم مسترسل في معالجة هذا الواقع بطريقة الداعي الحكيم وأسلوب المربي الذي وضع نصب عينيه إعداد جيل من حملة راية العدل والإحسان، ثم (تحرير) هذا الحصار والقيد في صفحات علمية نائية في غربتها عن الواقع، وقاصية في فردانيتها عن الجماعة، ولاهية في أكاديميتها عن الدعوة ودعوات المربي، هذه النظرية تعني تجريد مؤلفات الأستاذ من كل تلك المعاني ـ الحيوية والخلاقة والمحلقة في أفق الإيمان ـ التي تتسق منها مجتمعة حبات سبحة حاكها عقل وقلب رجل وهب نفسه، وفكره، وحياته لإحياء دعوات العدل والإحسان!

ولما كانت عملية التجريد هذه إجحافاً بحق كل تلك المعاني النبيلة فقد جهدنا جهد المقل في استقصاء شيء من آراء الأستاذ في حقل الحداثة ونقدها.

ومواجهة الحداثة وفق رؤية الأستاذ ياسين قومة تتم عبر مراحل من أسلمتها، وأول خطوة لأسلمة الحداثة هي أن نتحول من مستهلكين للحداثة، مسخرين لها أشبه بالمزابل التي تلقى فيها النفايات الملوثة والفئران التي تجرب عليها الأدوية المشبوهة إلى زبائن يقظين يحاسبون الحداثة على ماضيها[8]، والخطوة الثانية هي في اقتحام العقبة التي تصيرنا لاهثين وراء الحداثة هدفنا اللحاق بها، واقتحامها يقتضي منا امتلاك الوسائل العلمية والتقنية من أجل تكييفها لغايتنا الاجتماعية: العدل والإحسان[9].ومن هنا كان لزاماً على المسلمين استرداد العقل العلمي التجريبي الذي كان بين يدي أجدادنا وشيدوا به صرح العلوم، وأن نستثمر هذه العقلية في نفع البشرية ودعم أواصر الأخوة الإنسانية لا لبث القطيعة والتدمير.[10]

وأسلمة الحداثة تعبير استخدمه الأستاذ منذ سنة 1978[11]، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تعبيراً رائجاً في المؤلفات الفكرية. إن كتاب الإسلام والحداثة للأستاذ ياسين مسح تاريخي لمسيرة النهضة الغربية وتسليط ضوئي مكثف على المراحل التي تم فيها تهميش الدين واستبعاده من دوائر المجتمع، لا شك أن الأستاذ ياسين عندما يتعرض لمفرزات الحداثة وسمومها فإنه يضع بين يدي القارئ الحصيف الأسس المتينة التي حفظت للدين قوامه وبنيانه وهيأت له المكانة التي يقدر منها على مواجهة وتحدي ومغالبة الثقافات والفلسفات الدخيلة والهيمنة عليها، والفكر الديني المعاصر قادر على مقارعة التحديات، فثراء الفقه وأصول الفقه بالأدلة وإمكانات الاجتهاد والاستنباط يغطي الحاجة إلى تقنين المعاملات الدولية، وإنصاف الأقليات، ووضع برنامج لحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الإقتصادية والسياسية والعلمية، والتي تقع أعباؤها على كاهل أهل الاجتهاد من المجاهدين العاملين

المبحث الثالث : نقد الحداثة ونظرية المنهاج النبوي

نقد الحداثة جزء لا يمكن بدونه فهم نظرية المنهاج النبوي. ومعلوم كذلك مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، فكيف كان القرآن الكريم قاعدة ينطلق منها الأستاذ عبد السلام ياسين في نقده للحداثة؟ لمعرفة تفاصيل هذه القضية لا بد من تسليط الضوء على مسألة هي محور خطير في نظرية المنهاج: القرآن مصدر للمعرفة الإنسانية.

والأستاذ عبد السلام ياسين لا يرى في المظاهر الكونية دليلاً حاسما وحسب، بل يرى أن التفكير الصحيح هو الذي يتجه إلى استشكاف السنن الكونية: "التفكيرُ تفتُّح هذه الملكة العقلية العجيبة على الكون، وتلمذتها له، واستقصاء شؤونه بالدراسة والتحليل والتركيب، وتأصيل العلوم الكونية. ومن هذا النشاط العقلي تنشأ العلوم الكونية، وعليه مدارُ تقدم الإنسان في مضمار الحضارة"[12].

والأستاذ ياسين يتحدث بعمق عن التجارب البشرية، ومدى صحة اعتمادها وسيلة أو مصدراً من مصادر المعرفة، وقد خصص كتابه الإحسان لينافح عن التجربة الصوفية التي أكدت الخبرات التاريخية المتواصلة صحة اعتمادها وسيلة للمعرفة (بغض النظر عن كون هذه المعرفة فردانية خالصة، ومستغلقة على التعبير، وغير قابلة للتعميم والمداولة) وفي هذه الكتاب نصوص لا حصر لها تؤكد ضرورة النظر في التجربة التاريخية بوصفها وسيلة من وسائل المعرفة الحقة.[13]

ويرى الأستاذ ياسين أن سوء التقدير وعدم التمييز بين المعتقدات المورورثة الحقة والفاسدة يقف حاجزاً أمام الإيمان: "يُصبح التضامن الإيماني والتواصل عرقلة وانتكاسا إن كان التقليد للآباء والأجداد أعمَى لا يقدُرُ قدْرَ الخطإ والصواب. وذلك حين ينتصب شبح الآباء والأجداد حاجزاً بين الأجيال الناشئة وبين مصدر الوحـي، وحين تتحجر الأجيال الصاعدة على وضع موروث تنبطح أمامه عاجزة عن تحقيق عبوديتها لله عز وجل في الزمان والمكان المتغيرين المتقلبين".[14]

خاتمة ومقترحات

إن نظرية المنهاج النبوي قومة فكرية وسلوكية تهدف إلى استحداث تغيير شامل في حياة الجماعة الإسلامية ومفاتيح نقد الحداثة في نظرية المنهاج تتمثل في:

ـ القرآن الكريم بما وضعه من أسس للمعرفة البشرية هو القاعدة التي يجب الارتكاز عليها في عملية تحليل ونقد الأبعاد الفلسفية للحداثة.

ـ التجارب البشرية الخلاقة تعتمد وسيلة ومصدراً من مصادر المعرفة الحقة، فالتجربة الصوفية التي أكدت الخبرات التاريخية المتواصلة ضرورتها وفاعليتها خير تجربة سلوكية وتربوية يمكن اعتمادها.

ـ القرآن الكريم منبع صاف من منابع المصطلحات والمفاهيم التي يجب اعتمادها في المحاورات الفكرية والسياسية، بدل اعتماد مصطلحات ومفاهيم غربية لها تاريخها وأبعادها ودلالاتها الثقافية والروحية.

ـ أسلمة الحداثة لا تعني إضفاء ستاء شرعي على مضامينها، بل تتم عبر مراحل تسترشد بالعقل العلمي والتجريبي لأسلافنا العظماء.

ـ ثراء التراث الإسلامي في الجوانب الفقهية والسياسية والاقتصادية والعلمية يشكل أرضية متينة للاجتهاد والاستنباط، ويحفظ قوام الدين، ويكسب الفكر الإسلامي القدرة على مواجهة ومغالبة الحداثة ومفرزاتها.

[1] ن، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ط1، 2000م، ص 21.
[2] ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص 15.
[3] المرجع السابق، ص 16.
[4] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً، ط4، 2001م، ص 42.6.
[5] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط3، 2001م، ص 27.
[6] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 236-238.
[7] المرجع السابق، ص 226.
[8] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ط1، 2000م، ص 55-56.
[9] المرجع السابق، ص 59.
[10] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 41.
[11] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 9.
[12] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ط1، 1998م، ص 305.
[13] انظر على سبيل المثال لا الحصر :ياسين، عبد السلام، الإحسان، ص 403، 404، 405، 485.
[14] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص 289.