ملخص البحث: معالم الإصلاح الحضاريّ في نظريّة المنهاج النّبوي


الدكتور أنور الجمعاوي

جامعة قفصة - تونس

الدكتور أنور الجمعاوي

الإصلاح عند الأستاذ عبد السّلام ياسين ليس مصطلحا شعاراتيّا أو عبارة عابرة، بل هو مشروع يتأسّس على مفاهيم محدّدة، ويُنْجَز وفق منهجيّة معيّنة، ويشمل مجالات مختلفة، ويتحقّق وفق شروط وآليّات معلومة، وينهض بإنجازه الفرد والجماعة. وسنحاول في هذا البحث التّركيز على استجلاء المهاد المفاهيمي لفعل الإصلاح عند الرّجل، وذلك حتّى نتبيّن في مقام أوّل الأساس النّظري الذي يوجّه عمليّة التّجديد البنّاء عنده، وحتّى نقف في مقام ثان عند مقامات الإصلاح ومجالات التّغيير في نظره، فنكشف البعد التعدّدي للعمليّة الإصلاحيّة وتعلّقها بإعادة بناء واقع الفرد والجماعة في مستويات شتّى نعني: الإصلاح النّفسي التربوي والإصلاح الفكري والإصلاح السّياسي.

1. القسم النّظري: المنهاج النّبوي: سؤال الماهية:

يتأسّس المنهاج النّبوي عند عبد السّلام ياسين على استحضار الفضاء الرّسالي عموما والفضاء المحمّدي خصوصا، فهو استجلاء لسيرة النبيّ، ووعي بكيفيّات تمثّله للنّصوص وطرائق إدارته للواقع بتعقيداته المختلفة. وفي هذا يقول الرّجل: ""الدّين شرعة ومنهاج، الشّرعة ما جاء به القرآن والمنهاج ما جاءت به السنّة كما قال حبر الأمّة سيّدنا عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، الشّرعة خاطبت الإنسان. والمنهاج حقّق النموذج الإنساني، والمنهاج هو اللّفظة القرآنيّة لا المنهج، المنهاج التّطبيقي العملي المفصّل المنظّم المتدرّج"" [1].

ومن ثمّة، فالمنهاج النّبوي ينتسب إلى اللّحظة التأسيسيّة في تاريخ الاجتماع الإسلامي، وهو مكوّن أساسيّ من مكوّنات دولة الخلافة الأولى باعتباره مكمّلا للقرآن، مساهما في تفصيل تعاليمه وتوضيح مجمله، وتخصيص عامّه، وبيان مدلوله. فالنبوّة ليست مبلّغة للوحي فحسب، بل هي ناشرة للوحي، مفصّلة لمحامله ومبرزة لآليّات تمثّله وكيفيّات إجرائه. من هنا كان المنهاج النّبوي ذا بعد ثنائيّ، فهو بياني/ إجرائي في الوقت نفسه.

نتبيّن من خلال ما سبق:

- أنّ المنهاج النّبوي مشروع إصلاحي ذو صبغة بيانيّة تعليميّة تستهدف استحضار النّموذج المحمّدي في فهم القرآن، وفي تنظيم حياة النّاس في الدّنيا وإرشادهم إلى سبل الآخرة.

- أنّ المنهاج النّبوي نظريّة موسومة بالوضوح والشّمول تجعل الإنسان على جهة الإطلاق موضوعها، وتوجيه فعله في الكون الوجهة الإسلاميّة غايتها.

- المنهاج النّبوي مقاربة دينيّة عمليّة للرّاهن الإنساني، تقتضي التحلّي بجملة من القيم الأخلاقيّة والخصال الإيمانيّة التي بتمامها يتيسّر إنجاز عمليّة الإصلاح، وتركيز دعائم الخلافة المنهاجيّة.

2. القسم الإجرائي: المنهاج النّبوي مشروع إصلاح حضاري:

أ‌- الإصلاح التّربوي والنّفسي في المنهاج النّبوي:

من أهمّ ما يمكن أن نثبته في خصوص دعائم المنهاج التّربوي النّبوي:

المدرسة المحمّديّة والتعاليم القرآنيّة هي مصدر التّربية السويّة المنشودة في المجتمع المسلم.التربية في المنهاج النّبوي مشروع بيداغوجي، وعمل تأطيري يهدف إلى صقل الرّوح وشحذ الذّهن وتعهّد الجهد بالرّعاية.التّعليم في المنهاج النبويّ فنّ يقتضي تحلّي المعلّم بالتّواضع والتمكّن من أسباب العلم، ويستوجب القدرة على التبليغ وعلى التّواصل مع جمهور المتعلّمين.المنهاج التّربوي النّبوي منهاج تفاعليّ ينبني على التّواصل وتأمين الفهم والإفهام، وعلى استحضار النصّ القرآني والحديث النّبوي وأسباب الحكمة وأقطار العلوم تحقيقا للفائدة ودرءا للغموض.التّربية القرآنيّة/ المحمّديّة تتقصّد تكوين مسلم رساليّ يؤمن بضرورة نشر تعاليم الله وسنّة رسوله، وإرساخ الدّور القيمي البنائي للإنسان في الكون.المنهاج النّبوي تأهيل للمسلم ليكون منسجما مع نفسه ومع دينه، قادرا على النهوض بمشروع الإصلاح الذاتي والموضوعي.

ب‌- الإصلاح الفكري في نظريّة المنهاج النّبوي:

بدا الأستاذ عبد السّلام ياسين على وعي أكيد بما آل إليه توظيف العقل عبر تاريخ الإنسانيّة وفي العصر الرّاهن، فمايز بين ""عقل معاشيّ دنيويّ مادّي"" [2]ياسين، محنة العقل المسلم، ص 6 قاصر على فهم الوقائع المعيشة للإنسان وعلى إدراك الظواهر المحسوسة والماديّة، وبين عقل إيمانيّ يستحضر البعد الرّوحي للإنسان ويستشرف مصيره بعد الموت وفي الحياة الآخرة.

ومقاربة عبد السّلام ياسين للعقل هي مقاربة طريفة تنبني على رفض العقل المعاشي المحض لأنّه يجرّد الإنسان من بعده الرّوحي، ويتجاهل مصيره الأخروي، كما لا يقدّم إجابات واضحة حول الخلق والخالق، وتصوّر الإنسان لماهية الكون ومستقبل الإنسان بعد الموت. فمع تشريع الأستاذ عبد السّلام ياسين للعقل المؤمن وتسليمه بضرورة تفعيل دوره في الكون فإنّه لا يسلّم بعقل ميتافيزيقي محض يجافي الواقع، بل يرى لزوم اضطلاع العقل بوظيفته البرهانيّة، الابتكاريّة حتّى ييسّر للإنسان سبل إدارة العالم والتمكّن من ثرواته.

أهمّ ما يمكن أن نثبته من نتائج في مستوى التّجديد الفكري:

·نقدُ الأستاذ عبد السّلام ياسين للعقل المعاشي/ الدّنيوي مؤسّس على اقتصار المدى التفكّري لهذا العقل على شؤون الدّنيا، وعلى دراسة الظواهر المحسوسة وعدم احتفاله بالبعد الغيبي/ الأخروي للكينونة البشريّة.·إحياء دور العقل المؤمن ينبني على تفعيل إسهامه في تقديم تمثّل شامل واضح للكون في عالم الغيب والشّهادة، ويتأسّس على إقرار المسلّمات الدينيّة، وتأييد البحث العلمي والجهد الابتكاري للإنسان.·ضرورة إعادة بناء العقل بالتحوّل من عقل معاشيّ محض أو عقل مؤمن محض إلى عقل دنيوي/ إيماني.

ت‌- الإصلاح السّياسي في نظريّة المنهاج النّبوي:

لقد أسّس زعيم جماعة العدل والإحسان لمقاربة نقديّة موضوعيّة أخلاقيّة للشّأن السّياسي في البلاد الإسلاميّة أهمّ ملامحها:

- إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، وتبيّن مواضع الانكسار، وأسباب الانحطاط وسبل الصّحوة.

- رفع القداسة عن الأشخاص، وتنسيب أفعالهم، واعتبار مجد الأمّة محقّقا بانتهاجها النّهج النّبوي، والتوجيه القرآني في إدارة شؤون الحكم.

- التّأسيس لدولة إسلاميّة تشاوريّة تعاقديّة عادلة تحدّد واجب الحاكم وصلاحيّاته.

- تشريك المسلمين في رسم معالم دولتهم واختيار من يحكمهم.

- ضرورة تنحّي الحكّام الطّغاة أو عزلهم ومقاومتهم بشتّى السّبل الممكنة.

- فرض رقابة على الحاكم وتكليفه بمسؤوليّة القيادة وفق شروط معلومة، ومتّفق عليها بين جموع المسلمين.

- تحرير الفعل السّياسي داخل الاجتماع الإسلامي، والتّشريع للتعدّدية بدل الأحاديّة.

استنتاجات عامّة:

- تستمدّ نظريّة المنهاج النّبوي أصولها من القرآن والسنّة باعتبارهما مرجعا تأسيسيّا للإبيستيميّة الإسلاميّة وللاجتماع الإسلامي.

- تعيد نظريّة المنهاج النّبوي العلاقة المباشرة بين المسلم والفضاء المحمّدي، وبينه وبين النصّ القرآني بطريقة يكون معها النصّ التّأسيسي قرآنا وسنّة نصّا عابرا للزّمان، فاعلا في الآن والهنا، ويكون معها المسلم قادرا عل فهم منطوق كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم في غير وصاية من السّلف أو رقابة من أعلام التّقليد.

- جدّ الشّيخ عبد السّلام ياسين في بيان إجرائيّة المنهاج النّبوي في تشكيل شخصيّة المسلم وتربيته على نحو يهيّئه للإبداع الفكري والفعل السّياسي.

- بدا إصلاح الإنسان وبناء المجتمع المسلم، وتشييد معالم الخلافة المنهاجيّة الإسلاميّة غاية نظريّة المنهاج النّبوي وحافزها الأساسي.

- جمعت نظريّة المنهاج النّبوي بين الواقعيّة والشموليّة من جهة قيامها على قراءة تشخيصيّة/ تفكيكيّة للواقع والعمل على مقاربته من كلّ جوانبه نقدا للموجود، وتأسيسا للمنشود تربويّا، وفكريّا وسياسيّا.

- قام المنهاج على أصالة المرجع، وجدّية التوجّه وجدّة المسار الإصلاحي.

[1] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلاميّة، ط 2، 1997، ص 35
[2] عبد