نادى عبد السلام ياسين بما سماه "المنهاج النبوي" بوصفه واحداً من أهم أسس فكره الدعوي؛ شرحهنظرياً، ثم أخذ في رسم سبل تحقيقه واقعاً ملموساً في حياتنا الإسلامية .والمنهاج النبوي أو قل السنةبأسرها هي المرحلة التطبيقية التي يتجه إليها فكر عبد السلام ياسين بعدما ينطلق من القرآن مركزًاأصيلاً: »نستنير بالهدي النبوي لنتأكد من المنهاج التطبيقي بعد أن اطمأن قلبنا بما علمناه من كتاب اللهتعالى أنها عقبة تقتحم [1]«.
"عقبة تقتحم" صيد ثمين، ومعين ثر، وكنز قرآنى يقع عليه الشيخ عبد السلام ياسين، فيستلفته، ويتتبعه،ويقيم على أساسه نظريته في المنهاج النبوي. كم منا مر على آيات سورة البلد ولم ير فيها سوى معانيهاالظاهرة، وارتباط نزولها بحادثة أو بشخص، أما الشيخ عبد السلام ياسين فيغوص في الآيات الكريمة لايتقيد بخصوص المعنى وإنما يعلو معه إلى عموميات الدلالة التي يحتملها النص، وهذا باب في دراسةالمعنى ورثه عن علماء الأصول[2]. يرى أن للمؤمنين والمؤمنات جميعاً دوراً في هذه الحياة، لن يقوم بهأحدهما إلا بعد أن يتحرر جسداً وروحاً من قيد كل أشكال الرق والاستعباد، بعد أن يمارس حريته بعيداًعن أسر الشهوة والوقوع في براثن الدمية بشهواتها وملهياتها وباطلها الذي يمثل عقبة كؤوداً ينبغىللمؤمن والمؤمنة أن يتجاوزاها حتى يصبحا مؤهلين لتطبيق المنهاج النبوي، لذا نراه في غير موضع منكتبه يلح على هذه القضية، قضية تحرير الرقبة المؤمنة لتحمل دين الله في الآفاق وتمارس دورها الجهاديالمكلفة به، يقول : "فك الرقبة أول دليل على أن المؤمن والمؤمنة قد أخذا في اقتحام العقبة. وتقرأ أختالإيمان سورة البلد. وهنا دعوة مفتوحة مطلقة لتحرير الإنسان بمناسبة وبغير مناسبة. تحرير الرقبة قربةإلى الله تعالى وعمل صالح ونشر للدعوة وتزكية للنفوس المحرِّرة والمحررة معاً.
هكذا كان الهدف السامي. يشير إلى ذلك ويؤكده ويشرعه أن التحرير المعتبر شرعاً المجزي هو تحريرالرقبة المؤمنة لتحمل إلى الآفاق والأقوام دين الله، لا مجرد رقبة تتخلص من الأسر وتعود إلى كفرهاوترجع إلى ديارها لتعزز جيوش العدو وملة الكفر.
هذا هو القصد السامي الشرعي القرآني. فكيف آل أمر الأرقاء المساكين إلى أن أصبحوا سلعة رخيصةفي سوق النخاسة."[3] وإذا كنا معنيين مع شيخنا بقضية المرأة على وجه الخصوص، فإنا نراه يبينبشيء من التفصيل جملة العقبات التي ينبغي على المرأة اقتحامها على النحو الذي يدور فيه الشيخ حولآيات سورة البلد، رابطاً ذلك بواقع المرأة، والتحديات التي تواجهها، يقول : "على المؤمنات جهاد لاقتحامعقبات التقاليد، وعوائق العقل الذي ينبغي أن لا ينقاد إلا للحق، وعوائق العادات والأنانيات والذهنياتالمتخلفة."[4] كعادته لا ينظر إلى ظاهر الآيات، وإنما يتوسع فيما تحمله من دلالات أخرى تتماشىوالتطور اللاحق والجديد، إن القوة التي يأمر الله عباده أن يعدوها هي قوة العلم والمادة والأخذ بكلالسبل العلمية لتقدم المجتمع.
ولكن إلى أي شيء يتجه الشيخ عبد السلام ياسين بالمؤمنين والمؤمنات إذا امتلكوا هذه القوة؟ القضاء علىالنزعة الدوابية والتصدي لها بكل ما أوتي المؤمن وأوتيت المؤمنة من قوة، وفي "الدوابية" نلحظ اتصالاًمباشراً بين فكر الشيخ ومعينه الأول القرآن. لقد أشرنا فيما سبق أن شتى المصطلحات التي يتخذهاالشيخ عبد السلام ياسين دوالاً ثابتاً على مفاهيم دعمها، إنما كان القرآنُ تربتها وسياقَها؛ رأينا ما سماه"القوى الاقتحامية"، ووقفنا على "فك الرقبة"، وها نحن بإيزاء "الدوابية"، فهو ينسب إلى لفظ "الدواب"الذي جاء ذكره في سورة الأنفال ويترخص في النسبة إليه وهو جمع على غير ما يرى جمهور النحاةحتى يحتفظ -في ظني- بالدلالة القرآنية وما تحمله من شحنات دلالية. إن القوة لازمة لمقاومة أصحابالنزعة الدوابية الحيوانية من الأوربيين الذين سيطرت عليهم الحضارة المادية وأصبحت المرأة عندهم سلعة رخيصة تنتهك وتباع، يقول: «"دوابية" نسبة إلى الدواب وإن كان النحاة لا يبيحون النسبة إلى الجمع". دوابية لتنظر الكلمة إلى قوله تعالى: "إن شر الدواب عند الله الذين كفروا" (الأنفال، 56)، وقوله جل شأنه"إن شر الدواب عند الله الصم البكْم الذين لا يعقلون" (الأنفال، 22). للدوابيين مسلَّمة هي بساط فلسفتهمفي الحياة»[5]. ولقد بسط شيخنا الأصول الأولى والإطار المرجعى لما عليه حضارة الغرب الآن مندوابية وعهر اصطبغت بهما المرأة الأوروبية، بسط ذلك في موضع آخر مؤكداً أن الوثنية اليونانية هيأصل هذه الدوابية الحاضرة في أوربا.[6] لذلك فإن مقاومة أصحاب النزعة الدوابية من الكفار واجبأمرنا الله به، يؤكد الأستاذ عبد السلام ذلك مرتكزًا أيضاً على القرآن.
لكن لا يضمن متانة هذه الترسيمات، التي يحاول تنظيمها لخلق جيل من المؤمنين والمؤمنات مؤهلين بقوتهموعلمهم وتحررهم إلى اقتحام كل العقبات ومقاومة الكفر والباطل في الوقت نفسه الذي لا يتقوقعون فيهعلى أنفسهم، إلا إذا تحقق ما نادى إليه من ضرورة الاعتصام بالعروة الوثقى، اعتصام لا يكون إلا بفهمجيد وجديد وقراءة واعية بالكتاب والسنة، بعيداً عن الاختلافات والتحزبات وضيق مجرى الاجتهاد.
وإذا تم للمؤمنات هذا الإعداد الجيد، فإنها مطالبة بالجهاد. فأي لون من ألوان الجهاد تجاهد المؤمنة؟يرسم الأستاذ عبد السلام ياسين ميدان الجهاد ويحدد أوجهه المختلفة التي تشمل شتى مناحي الحياةالاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يقول: »آن أن توقظ المؤمنات بنات جنسهن ليقُدنَ جهاداً مختلفالأشكال، متنوع الوجوه، شاملاً لكل مرافق الحياة. جهاد تعليم، وتتويب، وتوعية، ومحوٍ للأمية العقلية والسياسية.
جهاد لمقاومة غطرسة الرجل الذي يتذرع بالإسلام وشريعته ليظلم المرأة. جهاد لكيلا يمارس الرجل قِوامتهممارسة لئيمةً يقايض بالنفقة عبودية المرأة له وعبادتها إياه.
جهاد كسب القوت ما دام المجتمع فقيراً لا يستطيع كفالة الأمهات، وما دام المجتمع لا يعطي التربية المقامالأول ليأْجر الأم المربية "منتجة" الإنسان أفضلَ ما يأْجر العاملين. جهاد سياسي واعٍ بأوضاعالزمن«.[7] أما عن هدف هذا الجهاد، فرفعة كلمة الله، وتلك سنته عز وجل بين الناس، يقول :»هدفالجهاد إعزاز كلمة الله. إعزاز كلمة الله بالتدافع والتشابك والاقتحام.
وفي سنة الله أن التدافُع والتشابك مع الناس يفْصِلُ فيه ما أعد الناس من قوة وما فشِلوا في إعداده[8]«.
فيما سبق ظهرت لنا ملامح فكره ونظريته ، وسمات شخصيته العلمية، ولسوف تتأكد لنا بوضوح وجلاءفي المبحث التالي الذي نتناول فيه منهجه في معالجة قضايا المرأة، ويحسن بنا أن نجمل هذه الملامحوالسمات أولاً، ولسوف نجد آثارها وانعكاساتها جلية واضحة فيما سيناقش من قضايا. وأجمل هذهالملامح فيما يأتى:
مركزية القرآن، إذ يعد بنيته التي يأخذ منها القواعد العامة، ليبحث عن وجهها التطبيقي من خلالالسنة النبوية.شمولية النظرة، وكلية الرؤية.الوسطية، التي تظهر من خلال:
رفضه التشدد بكل صوره.الجنوح نحو التيسير.الاعتراف بالآخر، ومحاورته، وجداله بالتي هي أحسن.
الاستنارة والإيمان بالتجديد، واستيعاب اللحظة الراهنة.
[1] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً، ط 1، 1981 م، ص 100 .
[2] حموده، طاهر سليمان، دراسة المعنى عند الأصوليين وعلماء أصول الفقه، مكتب كويرتيه إخوان، بيروت، 1998 م.
[3] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، ط 1، 1996 م، 1/ 22 - 23 .
[4] المصدر نفسه، 1/
[5] المصدر نفسه، 1/ 1
[6] ياسين، عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، الطبعة الثانية، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، طنطا، 1415 ه 1995 م، ص71.
[7] المصدر نفسه، 1/ 359
[8] ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، 1/ 355 .

















