ملخص البحث: القرآن الكريم وقضية المرأة في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين


الدكتور أحمد مبارك سالم

وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف - البحرين

تمثل هذه الورقة معالجة لأبرز ما أورده الأستاذ الفاضل عبد السلام ياسين (حفظه الله ورعاه) فيما يرتبط بالنظرة إلى المرأة، وبدورها المستنير الفعال في المجتمع، وبمنهجها في التغيير المنشود لواقعها، حيث كانت الأفكار التي أوردها في كتابه (تنوير المؤمنات) بجزئيه – الأول والثاني – تمثل المرجع الأساس لهذا الاستقراء.

ففيما يرتبط بارتباط المؤمنات بنظرة المجتمع ونظرة الإسلام أكد الأستاذ ياسين بأن حالة من الرقي الحضاري تلك التي عاشتها المؤمنات في عصر خاتمة الرسالات، وذلك حتى برزت كعنصر بارع في المجتمع يستنير في مواقفه ببصيرة الإسلام، عندها حانت لحظة التحول التي انتقلت في واقعها من حنان هذه النظرة وعدالتها إلى جور نظرة المجتمع الذي ما فتأ ينتهك من إنسانيتها في عصور الانحطاط التي ما زالت تعاني من ركامها المزعج.

وضمن نطاق آخر يجيب عن تساؤل يثار حول حاجة المرأة لتحرير نفسها وما إن كانت من نظرة الإسلام أم من نظرة المجتمع، حيث أكد بأن بداية تحرير المرأة من عقدة النقص التي بثّها المفكّرون في عقلها الباطن معبرين عن ذلك عن نظرة المجتمع الذي تعيش في بوتقتها، وذلك حتى باتت تشعر بالدونية، تتمثل في الغاية التي يمكن من خلالها توظيف إمكانيات المرأة في مختلف القطاعات التي تخدم المجتمع، بل ومنع الرجال من إعاقة ذلك، والعمل على مساعدتها في حل مشاكلها لتغدو عنصراً فاعلاً في المجتمع.

وبناء على ما سبق يطرح الأستاذ ياسين الحل للخروج من سجن نظرة المجتمع إلى جنة نظرة الإسلام، فيقرر بأن المؤمنات حتى يخرجن من ظلمة نظرة المجتمع المليئة ما بين ركام تراث عاثر، ونظرة تحررية تفرغ النص من مضمونه، والدلالة النصية من روحها، بحاجة إلى التسلح بالحجة العقلية ليدفعن بها عن الغافلات الجاهلات شبه المشككين والمشككات، وهن في ذلك بحاجة إلى الرفق والعاطفة والموعظة الحسنة، والمراعاة في ذلك لقاعدة مفادها أن الناس أصناف، وأن الميل في ذلك لا يكون لحساب العقل على حساب الفطرة والغيب.

وضمن محور آخر يطرح الأستاذ ياسين حالة المؤمنات بين عقدة النقص وطلب الكمال الإنساني، فيؤكد بأنه حتى يتحقق للمؤمنات الانتقال من عقدة النقص تحقيقاً لطلب الكمال الإنساني، فلا بد من تحقيق مساواة تكاملية تترابط من خلالها الأدوار بين الرجل والمرأة، وتتحقق للمجتمع من خلال ذلك تنميته باستغلال كل من الرجل والمرأة وفق قدرات وطاقات كل منهما وفق ما اقتضاه المولى عز وجل من تحقيق للتكامل القائم على منطق التنوع المتناغم في أداء الأدوار في سبيل خدمة المجتمع.

وعلى الرغم من أن دين الإسلام هو أول من حرر المرأة من قيود العبودية والذل التي عاشتها في ظل الحضارات القديمة، حيث تقررت مكانة المرأة التي تماثل مكانة الرجل وفقاً لذلك حسب ما قررها المنهج الرباني الذي يعد بمثابة إقرار وتحرير للمرأة من تقييدها بالأوصاف التي كانت عليها قبل ذلك، فقد مالت المرأة نحو المنهجية الغربية في تحرير المرأة، وكان وقود الاستجابة لهذه الدعوة متمثلاً بالتراكمات الموروثة من عادات وتقاليد المجتمع التي أدت بشكل أو بآخر إلى هضم حقوق المرأة وفقاً لما أكدت عليه المبادئ الدينية السمحة.

وضمن نطاق مقومات المنهجية الربانية لطلب الكمال الإنساني للمؤمنات، فقد أكد الأستاذ عبد السلام ياسين بأنه يلزم على المؤمنات لتحقيق المنهجية الربانية لطلب الكمال الإنساني أن يعلمن أن الإيمان بالله واليوم الآخر هو طريق السعادة، وأن عليهن حتى يحققن الكمال الإنساني أن يقمن بواجبهن المتمثل بدعوة بنات جنسهن إلى الإيمان، وأن يكن سداً منيعاً ضد دعوات التغريب الفلسفي الملحد، بالإضافة إلى تعزيز المساواة التي تتحقق من خلال التكامل في الأدوار بين الرجل والمرأة وفق ما اقتضته فطرة كلاً منهما.

وبناء على ما سبق، وحتى تتوجه المؤمنات نحو فهم صحيح لصناعة الدور الإيجابي الفعال في عملية التغيير، فلا بد – كما يقرر الأستاذ ياسين من الانطلاق في بناء الدور من خلال الإخلاص المبني على المحبة لله تعالى ولرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، واستشعار أهمية الدور والمسؤولية المحورية في بناء الأجيال من خلال استشعار الأمومة وقيمتها التي أسبغتها عليها نظرة الإسلام، والعمل على استيعاب الدور وفعالية المسؤولية، واستيعاب القضية التي من خلالها ينبغي أن تنصب جهودها المبذولة ضمن نطاقها الرشيد وإطارها القويم، حيث تتحقق هذه الصناعة كما يراها الأستاذ عبد السلام من خلال حب الله ورسوله، وذلك عندما تستكمل المؤمنات الإيمان فتذوق طعمه عندما يصبح الله تعالى ورسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) أحب إليها مما سواهما، ويوم أحبت المؤمنات لا تحبهن إلا لله، ويوم كرهت ماضي غفلتها أو تيهتها كما تكره أن تقذف في النار، وهو ما يعني به الأستاذ أن تكون المؤمنات مستنيرات بنور الله تعالى وببصيرة إيمانها في حركاتها وفي سكناتها، وفي قيامها وفي جلوسها، وفي سائر تفاعلاتها فيما تنوي به التغيير في عالمها المحيط.

وضمن نطاق مرتكز آخر لفهم المؤمنات لدورهن في التغيير يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين بأن القيام بوظيفة تربية الأولاد هي من أهم الوظائف التي تحدد مستقبل الأمة، فمتى وجدت الأجيال المتعاقبة استقراراً أسرياً، وتحديداً دقيقاً للأدوار، فإن ذلك يبشّر بتأسيس سليم للجيل الذي يصنع مستقبل الأمّة، ومن غير المعقول ألا يقوم بهذه المهمة من يكون مؤهلاً لها من مختلف النواحي، وهن المؤمنات اللواتي اختصهن المولى عز وجل بالأمومة الحانية والبانية.

وآخر هذه المرتكزات التي تفهم المرأة من خلالها دورها في عملية التغيير ضرورة استيعاب الدور وفعالية المسؤولية والتبني للقضية، حيث أكد الأستاذ ياسين بأنه من أجل التحول الإيماني الإرادي من عقبة الاستهلاك والتكاثر التي هي سمة العصر ونفخة شيطان الإشهار، فلا بد من تجاوز موضوع التنافس بين النساء والرجال، مؤكداً أن فطم النساء عما ساد في واقعهن يعتبر عملية شاقة جداً وتحتاج إلى عزيمة جادة لمحاربة عادات الاستهلاك الشيطاني والتكاثر والتنافس من أجل جني السعادة الاستهلاكية الموهومة التي نعبر من خلالها عن قلوب متعلقة بالدنيا الحقيرة، وهذا ما يستلزم - لصناعة الدور - تكوين البيئة الفاضلة التي صمدت أيام العصر الذهبي أمام تهاطل المال وأمام إغراء زينة الدنيا.

وبذلك فإن خلاصة رؤية الأستاذ ياسين في قضية المرأة تتمثل في ضرورة أن نستقي ذلك مما حواه النظام الرباني المحكم، والذي يمكن من خلاله أن تنال المرأة كرامتها ودورها الفعّال والمؤثّر في المجتمع حسب الوضع الذي رسمه الله جل وعلى لها، وذلك بالتخلص من عقد النقص لتحقيق الكمال الإنساني من خلال صدق الإيمان وتحقيق المساواة التكاملية، والعمل على إعادة صياغة دور المرأة المرتبط بالمحبة لله تعالى ولرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، مع استشعار القيمة السامية للمؤمنات والمتمثلة بصناعة الأجيال، وهي في خاتمة المطاف ينبغي أن تستوعب الدور المنشود، والمسؤولية المناطة؛ لتتبنى بعد ذلك قضيتها التي تناضل من أجلها في سبيل رفعة الإسلام والمسلمين.