ملخص البحث: محورية النص القرآني في الاستدلال على مسائل العلم في المنهاج النبوي


الدكتور عبد الرزاق لكريط

جامعة سيدي محمد بن عبد الله - المغرب

تناول الأستاذ عبد السلام ياسين في معظم مؤلفاته التكامل بين الشرعة والمنهاج، وبذلك جاءت مشروعا فكريا دعويا بالعالم الإسلامي، تؤطر للمنهاج النبوي وتتبنى السيرة النبوية شرعة ومنهاجا، وذلك لما تنطوي عليه هذه المؤلفات من تحليل ملموس لواقع وتاريخ الأمة الإسلامية، بحكم استمداد مادتها العلمية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من جهة، وبوصفها إطارا مرجعيا في معرفة الوجود والحياة والقيم والمعاني وإعداد الفكر للتحرر من الجاهلية وفلسفتها ونظرياتها الإيديولوجية من جهة أخرى.

وقد حاولت في هذه المساهمة الوقوف على أهم القضايا المرتبطة بمحورية النص القرآني في الاستدلال على مسائل العلم، وغيرها من القضايا المرتبطة بالقضايا العلمية والتعليمية التي يحملها المنهاج النبوي للمفكر عبد السلام ياسين والتي تحمل مشروعا فكريا من منظور إسلامي، "يكون روحه وباعثه ودليله العبودية لله، ويكون مدده ومادته ما يستنبطه العقل المؤمن من كتاب الله وسنة رسوله وناموسه في الكون".

تتجلى أهمية هذا الموضوع في طرحه للأبعاد العميقة للمشروع الفكري الإسلامي لعبد السلام ياسين، الكفيل بإخراج الأمة الإسلامية من هذيان الجاهلية ونظرياتها الإيديولوجية، لأن انطلاق التفكير العلمي من إطار المفهوم الإيماني يجعل الطريق مفتوحا دائما أمام تجدد المناهج العلمية وتطورها، كما أنه يضفي على النفس الاطمئنان والثقة اللازمين لمواصلة البحث والتأمل وينقذ العلماء من التخبط في التيه بلا دليل ولا برهان. كما أن للموضوع أهمية فكرية تحمل قيمة مضافة للتراث الإسلامي، من خلال نظرية فكرية إيمانية تقدم أجوبة دقيقة عن إشكالات الأمة الإسلامية في العصر الراهن.

وأهمية فكر عبد السلام ياسين، يعد من جانب آخر، مطلبا أساسيا "لقيام الدولة الإسلامية التي يكون فيها القرآن الكريم وعلومه وما تفرع عنه من حكمة مادة الثقافة والتعليم والإعلام، حتى يصطبغ المجتمع كله بصبغة القرآن.

وقد خصصت محاور مهمة لمعالجة الإشكالية يمكن اختزالها في:

المشروع الفكري لعبد السلام ياسين.التدبر العلمي استنادا على مفهوم الإيمان.المنهاج النبوي حسب الكتاب والسنة.محورية النص القرآني للاستدلال على مسائل العلم في المنهاج النبوي.

وقد يجد المهتم بالتراث الإسلامي ضالته في ما تحمله الكتب المعالجة لهذا الموضوع من معلومات وإشارات بالغة الأهمية قمينة بالإجابة الشافية عن إشكالات الأمة الإسلامية سواء في العصور الماضية أم في العصر الراهن من خلال نظريات فكرية إيمانية تحمل قيمة مضافة للمصادر الأولى للتراث الإسلامي. إذ أن كتب المنهاج النبوي واحدة من كتب التراث الإسلامي التي تحمل مشروعا فكريا حضاريا لما تضمنه من أفكار وقضايا تنير العقل الإنساني، وتفتح خياله على معارج الكتاب والسنة لتكون كلمة الله وإرادته هي العليا في الأرض.

فقد جاءت دعوة عبدالسلام ياسين للمسلمون بغية "اكتشاف المنهاج النبوي لسلك طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط.

يسائل المؤلف الأمة المخاطَبة في القرآن عن كيفية ترجمة الكتاب والسنة إلى "برنامج عملي يحيي العبد بالإيمان ويحيي الأمة بيا أيها الذين آمنوا حتى تلبي هذا الخطاب، وتُنفذ ما يأتي بعده في آيات الله من أوامر إلهية.

يعد المنهاج النبوي حسب عبد السلام ياسين مفتاحا لولوج "القومة" الكبرى وتصحيحا لمسار الأمة الإسلامية، ووضعها في الطريق الأقوم حتى تضطلع بدورها التاريخي الكفيل بإخراجها من الجهل والغوغاء وبطش الحكام، وترتقي إلى العالم الذي خصها به الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. هذا المسار هو الذي قام باستعراضه عبد السلام ياسين متوقفا عند مكامن ضعف وقوة العالم الإسلامي، مقدما حلولا ميدانية آنية، وأخرى مستمرة وهادفة لتحقيق القومة وبناء صرح الأمة المتهاوي، تحدوه في ذلك غيرة عالم، ودافعه في ذلك تغيير المنكر الذي ضرب أطنابه عميقا في قلب المجتمعات الإسلامية. كل ذلك بفكر منبثق من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم.

وقد حاولت في هذه الورقة الوقوف على بعض مضامين المنهاج النبوي من خلال تناول محورية النص القرآني للاستدلال على قضايا العلم، بحيث وُجد النص القرآني أو الحديث النبوي مصاحبا لكل كلام عبد السلام ياسين، بل ومدعما قوله بآيات كريمة تم اختيارها بغاية الدقة والحرفية حتى تؤدي دورها على أكمل وجه، دليله في ذلك سعته العلمية وتدبره الجيد لمعاني الآيات الكريمة، وهو ما أعطى للعمل قيمة علمية تليق بمكانة صاحبه. فجاءت دعوته لإرساء قواعد الأمة الإسلامية على مكين الكتاب والسنة لأن العاطفة المجنحة خبال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل.

وللموضوع أهمية علمية، تتجلى في فهم الأستاذ ياسين للأبعاد الحقيقية للمنهاج النبوي، من خلال تقديم مقاربة جامعة ومانعة لقضايا المجتمعات الإنسانية وفق التصور الإسلامي، وإعطاء أجوبة شافية عن أسئلة العصر كما جاء في السيرة النبوية، استنادا إلى الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة. أما بُعد فكر عبد السلام ياسين فيمكن اختزاله في أمرين اثنين؛ الأول يتمثل في طرق الإيمان والجهاد التي تقرب مصير الفرد من الله في دار الآخرة، وهي الغاية الإحسانية حسب المؤلف، أما البعد الثاني، فيتمثل في سلك سبل المنهاج واستكمال شروطه لبلوغ الغاية الاستخلافية التي انتدبوا لها ووعدوا بها.